واصل الجنيه الإسترليني تعزيز مكاسبه خلال تعاملاته الأخيرة، مستفيدًا من مزيج من البيانات الاقتصادية الإيجابية والتطورات السياسية التي عززت ثقة المستثمرين في آفاق الاقتصاد البريطاني.
وجاء الدعم الأكبر للعملة البريطانية بعد صدور بيانات أظهرت نمو الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.1% على أساس شهري خلال مايو، في نتيجة فاقت توقعات الأسواق التي كانت تشير إلى انكماش النشاط الاقتصادي. كما ارتفع معدل النمو خلال الأشهر الثلاثة الماضية إلى 0.8%، وهو أداء يفوق بكثير التقديرات التي وضعها عدد من المؤسسات المالية الكبرى.
ويرى محللو دويتشه بنك أن الاقتصاد البريطاني يواصل تحقيق أداء يتجاوز إمكاناته الطبيعية، إذ تشير تقديرات البنك إلى أن معدل النمو المستدام للاقتصاد يبلغ نحو 0.35% فقط على أساس ربع سنوي. وحسب المحللون فإن بريطانيا تبدو في طريقها للحفاظ على موقعها بين أسرع اقتصادات مجموعة السبع نموًا خلال الربع الثاني من العام، مشيرًا إلى أن الحكومة الجديدة تتسلم اقتصادًا يتمتع بزخم أقوى بكثير مما كان متوقعًا قبل أشهر.
قوة الاقتصاد تعيد تشكيل توقعات السياسة النقدية
ويؤدي استمرار تحسن النشاط الاقتصادي إلى تقليص الضغوط على سياسات بنك إنجلترا للإسراع في خفض أسعار الفائدة، بل إن استمرار قوة البيانات قد يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم احتمالات رفع الفائدة مستقبلاً إذا استمرت وتيرة النمو الحالية.
ويُنظر إلى هذا السيناريو باعتباره أحد أهم العوامل الداعمة للجنيه الإسترليني، إذ تميل العملات إلى الاستفادة من بيئة اقتصادية قوية وسياسة نقدية أكثر تشددًا.
وبالتزامن مع هذه التطورات، ارتفع الجنيه الإسترليني فى اسواق الفوركس إلى أعلى مستوياته في أكثر من عام أمام اليورو، كما سجل أفضل أداء بين عملات مجموعة العشر خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، في إشارة إلى تنامي ثقة المستثمرين بالاقتصاد البريطاني.
التطورات السياسية تعزز ثقة المستثمرين
ولم تقتصر العوامل الداعمة للإسترليني على البيانات الاقتصادية فقط، بل ساهمت المستجدات السياسية أيضًا في تعزيز شهية المستثمرين تجاه الأصول البريطانية. فقد ازدادت موجة التفاؤل بعدما أفادت تقارير سياسية بأن رئيس الوزراء الجديد آندي بورنهام اختار شبانة محمود لتولي وزارة الخزانة، وهو قرار اعتبرته الأسواق إشارة إلى تبني نهج اقتصادي أكثر اعتدالًا واستمرار الالتزام بالانضباط المالي.
ويرى المستثمرون أن هذا الاختيار يقلل من فرص تبني سياسات إنفاق توسعية قد تزيد من الضغوط على المالية العامة، كما يعزز فرص تنفيذ إصلاحات مالية تساعد على احتواء مستويات الدين الحكومي. وكان بورنهام قد أكد في أكثر من مناسبة التزام حكومته بالقواعد المالية الحالية، والتي تستهدف تمويل الإنفاق الجاري من الإيرادات الضريبية والحفاظ على مستويات الاقتراض ضمن حدود يمكن السيطرة عليها.
وفي هذا السياق، أوضح أندرو ويشارت، الخبير الاقتصادي لدى بيرنبرغ، أن الأسواق تلقت هذه الرسائل بإيجابية، معتبرًا أن استمرار الالتزام بالانضباط المالي يمنح المملكة المتحدة ميزة نسبية مقارنة بعدد من الاقتصادات المتقدمة التي تواجه تحديات مالية أكبر.
تباطؤ النمو لا يلغي النظرة الإيجابية
ورغم الأداء القوي للاقتصاد خلال الفترة الأخيرة، يتوقع معظم الاقتصاديين أن يتراجع زخم النمو تدريجيًا خلال النصف الثاني من العام، مع استمرار الضغوط الخارجية وتداعيات التوترات الجيوسياسية على الاقتصاد العالمي.
ويرى الخبراء أن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات في الشرق الأوسط قد يؤثر على إنفاق الأسر واستثمارات الشركات، وهو ما قد ينعكس على وتيرة النمو خلال الأشهر المقبلة. ومع ذلك، يؤكدوا بأن الاقتصاد البريطاني يدخل هذه المرحلة وهو في وضع أكثر قوة مقارنة بالتوقعات السابقة، كما أنه يبدو أكثر قدرة على مواجهة الصدمات مقارنة بعدد من اقتصادات مجموعة السبع.
وأن النشاط الاقتصادي قد يتلقى دعمًا مؤقتًا خلال يوليو بفضل تمديد ساعات العمل في بعض القطاعات، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على بيانات الناتج المحلي الإجمالي.
ميزانية الخريف تظل المحطة الحاسمة
ورغم التحسن الحالي في أداء الجنيه الإسترليني، يظل مشروع ميزانية الخريف الحدث الأبرز الذي تترقبه الأسواق خلال الفترة المقبلة. ويرى المحللون أن نجاح الحكومة في تقديم موازنة تحافظ على الانضباط المالي دون الإضرار بالنمو الاقتصادي قد يمنح العملة البريطانية دفعة إضافية، ويفتح المجال أمام استمرار أدائها القوي حتى نهاية العام.
وفي المقابل، فإن أي انحراف عن الأهداف المالية أو زيادة كبيرة في الإنفاق قد يعيد الضغوط على الجنيه الإسترليني ويحد من مكاسبه خلال الأشهر المقبلة.