قال بنك بي إن بي باريبا إن أوروبا تقترب من مرحلة تحول اقتصادي مهم، قد يعيد تشكيل النظرة التقليدية لأداء القارة، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الأوروبي قد يكون بصدد الخروج تدريجيًا من حالة الضعف التي أعقبت جائحة كورونا. ووفقًا لتقرير حديث للبنك، فإن أوروبا “تستعد بهدوء للخروج من سنوات الركود النسبي”، مع إمكانية دخول مرحلة من التحسن الهيكلي الذي لا يزال المستثمرون لا يدركون حجمه الكامل حتى الآن، على حد وصفه.
ويرى البنك الفرنسي أن تداخل مجموعة من التحولات الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية يخلق ما وصفه بـ”لحظة أوروبا”، في إشارة إلى قدرة القارة على إعادة التموضع بعيدًا عن الصورة النمطية التي تفترض استمرار تراجعها أمام الاقتصاد الأمريكي.
خمسة محركات تدعم “قصة أوروبا الجديدة”
أوضح التقرير أن أوروبا لم تعد مجرد بديل دفاعي أو ملاذ آمن، بل تمتلك خمسة عوامل رئيسية قد تدعم نموها في المرحلة المقبلة، تشمل: تعافي القطاع الصناعي، وقوة قطاع الخدمات، وتسارع التحول التكنولوجي، وتطورات في الحوكمة الاقتصادية، إلى جانب بيئة جيوسياسية أكثر دعماً نسبيًا.
وأكد البنك أن الحديث عن تراجع الصناعة الأوروبية بشكل حاد “مبالغ فيه”، مشيرًا إلى أن الإنتاج الصناعي بدأ في التعافي منذ مطلع عام 2025، بل وتجاوز في بعض القطاعات مستويات ما قبل الجائحة.
ورغم صدمة الطاقة في 2022، لا تزال أوروبا تحتفظ بمكانتها كمصدر صناعي مهم عالميًا، مع ميزة تنافسية في قطاعات مثل الطيران والفضاء، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيا المتقدمة.
الخدمات والتكنولوجيا.. نقاط قوة غير مرئية
أشار التقرير إلى أن قطاع الخدمات يمثل أحد أبرز عناصر القوة في الاقتصاد الأوروبي، رغم أنه غالبًا ما يتم تجاهله في التحليل التقليدي. وأوضح أن الاتحاد الأوروبي يُعد حاليًا أكبر مصدر للخدمات عالميًا، محققًا فائضًا كبيرًا في خدمات الأعمال والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والنقل.
كما رفض البنك فكرة تخلف أوروبا تكنولوجيًا، مؤكدًا أن القارة تشهد “لحاقًا سريعًا” في هذا المجال، حيث ارتفعت مساهمة التكنولوجيا من 4% إلى 15% من الناتج المحلي خلال العقد الماضي، مع نمو واضح في استثمارات رأس المال المخاطر.
ولفت التقرير إلى بروز فرنسا كمركز متقدم في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية، إلى جانب تحسن تدفقات المواهب لصالح أوروبا.
تحول في السياسات ودعم للنمو
أوضح بنك بي إن بي باريبا أن السياسات الاقتصادية في أوروبا تشهد تحولًا تدريجيًا، حيث أصبحت القدرة التنافسية والنمو أولوية رئيسية بعد سنوات من التركيز على الاستقرار فقط. ويشمل ذلك مبادرات لدعم الصناعة، وتعزيز السيادة التكنولوجية، وإصلاح أسواق رأس المال، في إطار توجه أكثر مرونة لدعم النمو والاستثمار.
اليورو كملاذ آمن نسبيًا
وأشار التقرير إلى تطور لافت في سلوك اليورو فى اسواق الصرف، حيث بدأ يلعب دورًا أكبر كأصل آمن خلال فترات اضطراب الأسواق، إلى جانب زيادة الطلب على السندات الحكومية الألمانية. ووفقًا للبنك المركزي الأوروبي، فإن اليورو أظهر في بعض فترات التوتر سلوكًا أقرب إلى الملاذات الآمنة مقارنة بالدولار الأمريكي، وهو ما يعكس تغيرًا تدريجيًا في ديناميكيات الأسواق العالمية.
هذا التحول قد يساهم في دعم العملة الأوروبية الموحدة على المدى المتوسط، من خلال تحسين تدفقات رأس المال وزيادة الطلب على الأصول المقومة باليورو، ما قد ينعكس إيجابًا على تكاليف الاقتراض داخل المنطقة.