أظهر الاقتصاد الأمريكي مرونة لافتة خلال مايو، بعدما جاءت بيانات التوظيف أقوى من توقعات الأسواق، في مؤشر جديد على استمرار قوة سوق العمل رغم التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة التي لا تزال تضغط على الأسر الأمريكية. ووفقًا لبيانات وزارة العمل الأمريكية، أضاف الاقتصاد 172 ألف وظيفة جديدة خلال مايو، متجاوزًا بشكل واضح تقديرات المحللين، في حين استقر معدل البطالة عند 4.3%، وهو مستوى لا يزال يعكس أوضاعًا قوية نسبيًا في سوق العمل.
وتمنح هذه الأرقام دفعة إيجابية للرئيس دونالد ترامب، الذي يواجه ضغوطًا متزايدة بسبب استمرار ارتفاع الأسعار، خاصة أسعار الوقود والطاقة، والتي أصبحت أحد أبرز الملفات المؤثرة على المزاج الاقتصادي للأمريكيين.
انتعاش التوظيف رغم التحديات
رغم تباطؤ وتيرة التوظيف بشكل طفيف مقارنة بشهر أبريل، الذي جرى تعديل بياناته إلى 179 ألف وظيفة، فإن سوق العمل الأمريكي واصل إظهار قدرة كبيرة على الصمود في مواجهة حالة عدم اليقين الاقتصادي وتقلبات أسعار الطاقة.
وجاءت الوظائف الجديدة موزعة على عدة قطاعات رئيسية، حيث تصدرت الحكومات المحلية المشهد بإضافة 55 ألف وظيفة، تلتها قطاعات المطاعم والحانات بنحو 48 ألف وظيفة، ثم قطاع الرعاية الصحية الذي وفر 35 ألف فرصة عمل جديدة.
كما عززت وزارة العمل الصورة الإيجابية لسوق العمل من خلال مراجعات صعودية لبيانات شهري مارس وأبريل بإجمالي 93 ألف وظيفة إضافية، ما رفع متوسط الوظائف المضافة خلال الأشهر الثلاثة الماضية إلى 188 ألف وظيفة شهريًا، وهو أفضل أداء فصلي منذ بداية عام 2024.
التضخم لا يزال مصدر القلق الأكبر
ورغم قوة سوق العمل، فإن المؤشرات الاقتصادية الأخرى لا تزال ترسم صورة أكثر تعقيدًا للاقتصاد الأمريكي. فبيانات التضخم الأخيرة أظهرت استمرار ارتفاع أسعار عدد من السلع والخدمات الأساسية، بما في ذلك الوقود والمواد الغذائية والملابس والكهرباء، ما يعزز المخاوف من بقاء الضغوط التضخمية لفترة أطول من المتوقع.
وتنعكس هذه التطورات بشكل مباشر على ثقة المستهلكين، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية الإدارة الأمريكية في الملف الاقتصادي، رغم التحسن الواضح في بيانات التوظيف.
الأجور ترتفع.. ولكن بوتيرة محدودة
في الوقت الذي يواصل فيه أصحاب العمل التوظيف بوتيرة جيدة، لا تزال زيادات الأجور أقل من تطلعات العديد من الأمريكيين. فقد ارتفع متوسط الأجر في الساعة بنسبة 0.3% على أساس شهري، وبنسبة 3.4% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهي معدلات نمو تعتبر معتدلة مقارنة بمستويات التضخم الحالية.
كما يواجه الشباب الداخلون حديثًا إلى سوق العمل تحديات متزايدة في العثور على وظائف مناسبة، بينما تستمر معاناة العاطلين عن العمل لفترات طويلة. وتشير البيانات إلى أن نحو 28% من الباحثين عن عمل ظلوا خارج سوق العمل لأكثر من ستة أشهر، وهي أعلى نسبة منذ نهاية عام 2021.
هل يغير الاحتياطي الفيدرالي مساره؟
أعادت بيانات الوظائف القوية إشعال النقاش داخل الأسواق حول مستقبل السياسة النقدية الأمريكية. فبعد أن كانت التوقعات تشير في وقت سابق إلى إمكانية خفض أسعار الفائدة خلال عام 2026، بدأت الأسواق المالية في إعادة تسعير السيناريوهات المحتملة، مع تزايد الرهانات على أن الخطوة المقبلة للاحتياطي الفيدرالي قد تكون رفع أسعار الفائدة إذا استمرت الضغوط التضخمية.
وتتوقع بعض المؤسسات المالية في وول ستريت أن يشهد شهر ديسمبر أول تحرك محتمل نحو تشديد السياسة النقدية، وهو ما يتعارض مع دعوات ترامب المتكررة لخفض الفائدة من أجل دعم النمو الاقتصادي.
وفي حال اتجه الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة، فقد ينعكس ذلك تدريجيًا على تكلفة الاقتراض في الاقتصاد الأمريكي، بما يشمل الرهون العقارية وقروض السيارات وتمويل الشركات.
ختاما:
تكشف بيانات مايو عن مفارقة اقتصادية لافتة؛ فبينما يواصل سوق العمل الأمريكي تقديم إشارات قوة واستقرار، لا يزال التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة يشكلان التحدي الأكبر أمام المستهلكين وصناع القرار. ومع اقتراب اجتماعات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة، ستظل الأسواق تراقب عن كثب ما إذا كانت قوة التوظيف ستدفع البنك المركزي نحو تشديد السياسة النقدية مجددًا أم أن معركة التضخم لا تزال بحاجة إلى مزيد من الوقت.