عاد الجدل مجددًا حول مستقبل أسعار الذهب بعد الارتفاع القوي الذي شهده المعدن النفيس خلال الأشهر الأخيرة، إذ يتساءل المستثمرون عما إذا كانت الأسعار قد دخلت بالفعل في فقاعة سعرية تسبق انهيارًا حادًا، أم أن موجة الصعود لم تستنفد زخمها بعد.
ويرى دويتشه بنك أن الإجابة أكثر تعقيدًا من مجرد وصف السوق بأنه “فقاعة”، مؤكدًا أن الذهب لا يزال يتحرك ضمن مرحلة صعود استثنائية تاريخيًا، لكنه في الوقت نفسه لا يرى أن ذلك يعني اقتراب انهيار الأسعار.
الرسم البيانى المباشر لسعر الذهب
الذهب يواصل التعافي ويستعيد الزخم
واصل سعر الذهب مقابل الدولار الأمريكي مكاسبه خلال تعاملات الأربعاء، متجاوزًا مستوى 4240 دولارًا للأوقية، ليواصل التعافي من القاع الذي سجله بالقرب من 4000 دولار، وهو ما أعاد الثقة إلى المشترين وأثار تساؤلات جديدة حول ما إذا كانت موجة الصعود الحالية لا تزال في بدايتها. وبحسب تحليل دويتشه بنك، فإن الارتفاع الحالي يمثل واحدة من أقوى موجات الصعود التي شهدها الذهب خلال العقود الأخيرة.
دويتشه بنك: موجة الصعود الحالية بدأت في 2024
أوضح البنك أن البيانات الإحصائية تشير إلى أن موجة الارتفاع الحالية بدأت في أغسطس 2024، ولا تزال مستمرة حتى الآن، لتصبح خامس موجة صعود حادة فقط يتم تسجيلها منذ عام 1975. واستمرت هذه الدورة الصعودية نحو 23 شهرًا، بعدما سجل الذهب خلال تلك الفترة قمة تاريخية قرب 5335 دولارًا للأوقية، قبل أن يتراجع لاحقًا إلى منطقة 4000 دولار ضمن حركة تصحيحية قوية.
ورغم هذا التصحيح، لا يزال المعدن الأصفر يحتفظ بمكاسب تتجاوز 20% مقارنة بمستوياته قبل عام، مما يعكس استمرار الاتجاه الصاعد على المدى الطويل.
هل يشير التاريخ إلى هبوط جديد؟
اعتمد دويتشه بنك على ثلاثة نماذج رئيسية لتقييم ما إذا كانت أسعار الذهب مبالغًا فيها. فمن منظور تاريخي طويل الأجل، تشير مقارنة الذهب بالسلع الأساسية إلى أن الأسعار الحالية لا تزال أعلى من متوسطاتها التاريخية، إذ توحي بعض النماذج بإمكانية تراجع الذهب إلى حدود 2600 دولار للأوقية.
ورغم ذلك، يؤكد البنك أن هذه المستويات تمثل تقديرات تاريخية وليست السيناريو الأكثر ترجيحًا، موضحًا أن الذهب يختلف عن كثير من الأصول الأخرى، إذ يميل إلى الاحتفاظ بقيمته الحقيقية على المدى الطويل، ما يسمح ببقاء تقييماته المرتفعة لفترات ممتدة.
هل انتهى التصحيح بالفعل؟
يرجح محللو دويتشه بنك أن موجة التصحيح الأخيرة ربما تكون قد استنفدت معظم قوتها. وبحسب تقديرات البنك، فإن منطقة 3900 دولار للأوقية قد تكون مثلت القاع الفعلي للتصحيح، حتى وإن كانت بعض النماذج الإحصائية تشير نظريًا إلى إمكانية الهبوط نحو 3700 دولار.
ويرى البنك أن الأداء الأخير للذهب يعزز هذا السيناريو، خاصة مع عودة المشترين بقوة عقب اختبار منطقة 4000 دولار.
دويتشه بنك يرفع تقديراته للقيمة العادلة
يستند السيناريو الأكثر تفاؤلًا لدى البنك إلى نموذج يجمع بين تأثير أسعار الفائدة الحقيقية والطلب القوي من البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية على الذهب. وبناءً على هذه العوامل، رفع دويتشه بنك تقديراته للقيمة العادلة للذهب إلى نحو 4700 دولار للأوقية بنهاية العام، مقارنة بتوقعاته السابقة التي كانت تشير إلى 4600 دولار خلال الربع الأخير من عام 2026.
ويرى البنك أن الأسعار الحالية لم تعد بعيدة عن القيمة العادلة وفق هذا النموذج، ما يدعم استمرار النظرة الإيجابية تجاه المعدن النفيس.
ماذا تخبرنا التجارب التاريخية؟
يشير التقرير إلى أن موجات الارتفاع الحادة في الذهب لم تكن تنتهي دائمًا بانهيارات كبيرة، بل أظهرت البيانات التاريخية أن العوائد خلال السنوات الخمس التالية كانت إيجابية في نحو 54% من الحالات، بمتوسط مكاسب بلغ 12%. وفي المقابل، عندما جاءت النتائج سلبية، بلغ متوسط التراجع نحو 5.6% فقط، وهو ما يعكس أن الأداء المستقبلي لا يعتمد بالضرورة على قوة الارتفاع السابق.
الخلاصة.. هل الذهب في فقاعة؟
يرى دويتشه بنك أن الذهب لا يزال يتحرك ضمن مرحلة صعود قوية وفق المعايير الإحصائية، إلا أن ذلك لا يعني أن السوق يقترب من انهيار وشيك.
وبينما تشير بعض النماذج التاريخية إلى أن الأسعار تبدو مرتفعة مقارنة بمتوسطاتها طويلة الأجل، فإن تقديرات البنك للقيمة العادلة، إلى جانب استمرار الطلب الرسمي وتحسن العوامل الأساسية، تدعم بقاء الاتجاه الصاعد على المدى المتوسط، مع إمكانية استهداف 4700 دولار للأوقية قبل نهاية العام إذا استمرت الظروف الحالية.