يرى بنك UBS أن التراجعات الأخيرة في أسعار الذهب قد تمثل فرصة لإعادة بناء المراكز، في ظل استمرار الطلب القوي من البنوك المركزية وتزايد أهمية المعدن الأصفر كأداة للتحوط وتنويع المحافظ الاستثمارية.
بحسب منصات شركات تدول الذهب فقد ارتد سعر المعدن الاصفر إلى 4400 دولارًا للأونصة ، مستعيدًا جانبًا كبيرًا من خسائره خلال جلسة الثلاثاء، والتي بلغت نحو 1.61%، بدعم من تراجع الدولار الأمريكي وترقب الأسواق لبيانات التضخم الأمريكية المرتقبة هذا الأسبوع.
الرسم البيانى المباشر لسعر الذهب مقابل الدولار الامريكى
UBS: تراجعات الذهب فرصة لبناء المراكز
رغم الضغوط التي قد يواجهها الذهب من ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد الحقيقية وقوة الدولار الأمريكي، ويرى UBS أن المستثمرين يمكنهم استغلال فترات انخفاض الأسعار لزيادة مخصصاتهم من المعدن الأصفر على المدى الاستراتيجي. ويقترح البنك للمستثمرين الذين لا تزال مخصصاتهم للذهب منخفضة التفكير في بناء حيازة استراتيجية تتراوح بين 4% و6% من المحفظة الاستثمارية.
وتعكس هذه الرؤية اعتقاد UBS بأن جاذبية الذهب لا ترتبط فقط بتوقعات قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، وإنما بالدور المتزايد للمعدن كأداة للتحوط من التضخم والمخاطر الجيوسياسية وتنويع الأصول.
وتشير رؤية البنك إلى أن سعر الذهب قد يظل قادرًا على الاحتفاظ بجاذبيته حتى في بيئة تتسم بارتفاع تكاليف الاقتراض، خاصة إذا استمر المستثمرون والبنوك المركزية في النظر إليه كأصل استراتيجي طويل الأجل.
هل تعرقل أسعار الفائدة صعود الذهب؟
لا تزال أسعار الفائدة الأمريكية تمثل أحد أبرز المخاطر أمام الذهب، باعتبار أن المعدن الأصفر لا يدر عائدًا، وبالتالي ترتفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازته عندما ترتفع العوائد الحقيقية على السندات.
ويقر UBS بأن ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار يمكن أن يفرضا ضغوطًا إضافية على أسعار الذهب، خصوصًا إذا جاءت البيانات الاقتصادية الأمريكية أقوى من المتوقع وأعادت الأسواق إلى تسعير سياسة نقدية أكثر تشددًا.
ومن المقرر صدور بيانات أسعار المنتجين الأمريكية اليوم الخميس، تليها بيانات أسعار المستهلكين غدا الجمعة، وهي أرقام قد يكون لها تأثير مباشر على توقعات الأسواق لمسار السياسة النقدية الأمريكية. فإذا جاءت بيانات التضخم أعلى من التوقعات، فقد يرتفع الدولار والعوائد، بما يزيد الضغوط قصيرة الأجل على الذهب. أما البيانات الأضعف، فقد تمنح المعدن الأصفر مساحة أكبر للتعافي.
مشتريات البنوك المركزية تدعم الذهب على المدى الطويل
في المقابل، يرى UBS أن قوة الطلب الرسمي تمثل أحد أهم العوامل التي تمنح الذهب دعمًا هيكليًا على المدى الطويل.
وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن البنوك المركزية راكمت في المتوسط نحو 1000 طن من الذهب سنويًا خلال السنوات الأربع الماضية، مقابل نحو 500 طن سنويًا خلال العقد السابق، ما يعني أن وتيرة الشراء أصبحت تقارب ضعف مستويات العقد السابق. ويعكس ذلك تحولًا واضحًا في طريقة تعامل البنوك المركزية مع الذهب، من مجرد أصل احتياطي تقليدي إلى أداة استراتيجية لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على أصل أو عملة واحدة.
ويشير UBS كذلك إلى أن البنك المركزي الصيني واصل تعزيز احتياطياته من الذهب؛ إذ أضاف نحو 20 طنًا في يوليو، وهي أكبر زيادة شهرية له منذ أكتوبر 2023 وفق بيانات البنك. كما أشار UBS إلى استمرار سلسلة مشتريات الصين، مع بلوغ الإضافة نحو 20 طنًا في أغسطس أيضًا.
لماذا تواصل البنوك المركزية شراء الذهب؟
لا ترتبط المشتريات الرسمية بالسعر الحالي للذهب فقط، وإنما بعوامل استراتيجية طويلة الأجل. فوفقًا لمسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026، يرى 89% من مسؤولي الاحتياطيات أن حيازات الذهب لدى البنوك المركزية عالميًا ستواصل الارتفاع خلال الأشهر الـ12 المقبلة، بينما يتوقع 45% منهم زيادة حيازات مؤسساتهم من الذهب.
وتشمل أبرز دوافع الاحتفاظ بالذهب تنويع الاحتياطيات، والتحوط من المخاطر الجيوسياسية، والحماية من التضخم، والحفاظ على قيمة الأصول خلال فترات الأزمات. كما أظهر المسح أن 74% من المشاركين يتوقعون انخفاض حصة الدولار الأمريكي في الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة.
وهذا الاتجاه يمنح الذهب قاعدة طلب تختلف عن الطلب المضاربي قصير الأجل، وهو ما يفسر تمسك UBS بالنظرة الإيجابية طويلة الأجل رغم احتمالات تعرض الأسعار لموجات تصحيح.
صناديق الذهب تعود إلى الشراء
ولا يقتصر تحسن الطلب على البنوك المركزية فقط، إذ شهدت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب تدفقات استثمارية متجددة خلال يوليو، بقيادة المستثمرين في أوروبا. وتشير بيانات السوق إلى أن صناديق الذهب العالمية سجلت تدفقات بنحو 3 مليارات دولار خلال يوليو، مع ارتفاع حيازاتها بنحو 23 طنًا، في إشارة إلى عودة جزء من الطلب الاستثماري بعد فترة من التراجع.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة؛ لأن عودة المستثمرين إلى صناديق الذهب، بالتزامن مع استمرار مشتريات البنوك المركزية، تعني أن قاعدة الطلب على المعدن قد تصبح أكثر اتساعًا.
UBS: الذهب ليس مجرد رهان على قرار الفيدرالي
وتكمن النقطة الأهم في رؤية UBS في أن الاستثمار في الذهب لا ينبغي أن يُبنى فقط على توقعات قرار الاحتياطي الفيدرالي المقبل. فالبنك ينظر إلى الاستثمار فى الذهب باعتباره أداة استراتيجية للتحوط وتنويع المحفظة، وليس مجرد وسيلة للمراهنة على اتجاه أسعار الفائدة الأمريكية في اجتماع واحد.
وهذه الرؤية تتفق مع الاتجاه الأوسع في السوق، حيث أصبح الذهب جزءًا متزايد الأهمية من استراتيجيات إدارة الاحتياطيات، خصوصًا مع استمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم، والاستدامة المالية، والمخاطر الجيوسياسية.
بنوك أخرى تتمسك بالتفاؤل تجاه الذهب
ولا يقف UBS وحده في معسكر المتفائلين بالذهب. فقد حافظت بنوك استثمارية أخرى على نظرة إيجابية تجاه الذهب رغم موجات البيع الأخيرة، ومن بينها Standard Chartered، الذي أعاد تصنيف الذهب إلى “زيادة الوزن الاستثماري” (Overweight) ورفع توقعاته لسعر الذهب على مدى 12 شهرًا إلى 5000 دولار للأونصة.
وهذا يعكس اتساع نطاق الرؤية الإيجابية تجاه الذهب، رغم أن المسار لن يكون خاليًا من التصحيحات، خاصة إذا ارتفعت العوائد الحقيقية أو استعاد الدولار الأمريكي قوته.