تزداد شهية المستثمرين للمراهنة على ارتفاع أسعار الذهب مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الدين الحكومي الأمريكي، في الوقت الذي تشير فيه بيانات حديثة إلى أن المعدن النفيس قد لا يزال يمتلك مساحة إضافية للصعود قبل أن يصل إلى مستويات التقييم المرتفعة.
وأظهر استطلاع أجراه بنك أوف أمريكا لمديري الصناديق العالميين أن نسبة متزايدة من المستثمرين ترى أن الذهب لا يزال أقل من قيمته العادلة، بالتزامن مع ارتفاع المراكز المضاربية الصعودية للأسبوع الثالث على التوالي.
الرسم البيانى المباشر لسعر الذهب مقابل الدولار الامريكى
ورغم وصول صافي المراكز الشرائية للمضاربين إلى أعلى مستوياته هذا العام، فإن مستوى التفاؤل الحالي لا يزال أقل من المستويات التي سجلها السوق قبل عام، فضلًا عن بقائه بعيدًا عن ذروة التفاؤل التي شهدها الذهب في بداية عام 2025.
المضاربون يواصلون زيادة رهاناتهم على الذهب
تكشف أحدث بيانات لجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية CFTC عن استمرار ارتفاع شهية مديري الأموال تجاه عقود الذهب الآجلة في بورصة كومكس. وبحسب تقرير التزامات المتداولين المفصل عن الأسبوع المنتهي في 18 أغسطس، رفع مديرو الأموال مراكزهم الشرائية الإجمالية في عقود الذهب الآجلة بمقدار 5,961 عقدًا لتصل إلى 154,595 عقدًا.
وفي المقابل، ارتفعت المراكز البيعية بمقدار 1,975 عقدًا لتصل إلى 12,947 عقدًا. وبذلك بلغ صافي المراكز الشرائية في الذهب نحو 141,648 عقدًا، وهو أعلى مستوى منذ أواخر سبتمبر.
واللافت أن صافي المراكز ارتفع بنحو 18% خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، في أطول سلسلة متواصلة من الزيادة منذ يونيو، بما يعكس تحولًا واضحًا في موقف المضاربين تجاه المعدن النفيس.
لماذا يرى بنك أوف أمريكا أن الذهب أقل من قيمته؟
لا تقتصر الإشارات الإيجابية على بيانات العقود الآجلة، إذ أظهر مسح مديري الصناديق العالميين لبنك أوف أمريكا لشهر أغسطس تحسنًا ملحوظًا في النظرة إلى الذهب، رغم أن مستويات التفاؤل لا تزال محدودة مقارنة بمراحل سابقة. وبحسب نتائج المسح، ارتفعت نسبة مديري الصناديق الذين يرون أن الذهب مقوّم بأقل من قيمته الحقيقية إلى 16% في أغسطس، مقابل 6% فقط في يوليو.
وتشير هذه النتيجة إلى أن عددًا متزايدًا من المستثمرين يرى أن أسعار الذهب الحالية لا تعكس بالكامل حجم المخاطر المالية والنقدية التي تواجه الاقتصاد العالمي.
كما أظهر المسح أن تقييم الذهب مقارنة بالقيمة العادلة وصل إلى أدنى مستوى له منذ مارس 2023، وهو ما قد يعني وجود مساحة أمام الأسعار لمزيد من الارتفاع إذا استمرت التدفقات الاستثمارية.
بنك أوف أمريكا يربط سعر الذهب بالمشتريات الاستثمارية
وقالت كانداس براونينغ بلات، رئيسة قسم الأبحاث العالمية في بنك أوف أمريكا، بإن نموذج فريق استراتيجية السلع لدى البنك يشير إلى أن مستوى مشتريات المستثمرين الحالي يتوافق بدرجة أكبر مع سعر ذهب يبلغ نحو 4000 دولار للأوقية. وبحسب رؤيتها، فإن تسارع مشتريات المستثمرين سيكون عاملًا مهمًا قبل أن يتمكن الذهب من الوصول إلى مستوى 5000 دولار للأوقية.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل استمرار البنوك المركزية في شراء الذهب، حيث أشارت براونينغ بلات إلى أن مشتريات البنوك المركزية بدأت بالفعل في لعب دور داعم للسوق، وكانت خلال يونيو أعلى بكثير من متوسط الأشهر الاثني عشر السابقة.
كما ترى أن اجتماع جاكسون هول، إذا حمل إشارات تميل إلى سياسة نقدية أكثر تيسيرًا، يمكن أن يمثل عاملًا إيجابيًا إضافيًا للذهب.
هل يقترب الذهب من مستوى 5000 دولار؟
على الرغم من التعافي القوي الذي سجله الذهب من أدنى مستوياته خلال يوليو، فإن بعض المحللين يرون أن السوق لا يزال يمتلك مجالًا لمزيد من الصعود، خاصة مع بقاء المراكز المضاربية دون أعلى مستوياتها خلال العام الماضي. فصافي المراكز الطويلة بلغ في أعلى مستوياته خلال آخر 12 شهرًا نحو 165,519 عقدًا، وهو مستوى أعلى من الوضع الحالي.
أما أعلى مستوى شهدته المضاربة على الذهب في الفترة الأخيرة، فقد سجل في أوائل يناير 2025، عندما بلغ صافي المراكز الطويلة نحو 215 ألف عقد.
وبالتالي، فإن عودة المضاربين بقوة إلى السوق لا تزال قادرة على توفير وقود إضافي للاتجاه الصاعد، خصوصًا إذا تزامنت مع استمرار مشتريات البنوك المركزية وتراجع الدولار وتغير توقعات أسعار الفائدة الأمريكية.
النفط والتضخم يمثلان خطرًا على صعود الذهب
لكن الصورة ليست إيجابية بالكامل. فمع تحول معنويات المستثمرين إلى التفاؤل تجاه الذهب، لا يزال المعدن النفيس يواجه عددًا من المخاطر التي قد تحد من مكاسبه. ويأتي ارتفاع أسعار النفط في مقدمة هذه المخاطر، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية، وهو ما قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى الحفاظ على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول أو حتى إعادة التفكير في توقيت خفضها.
ارتفاع عوائد السندات والدولار في مثل هذا السيناريو قد يضغط على الذهب، باعتبار أن ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يدر عائدًا يجعله أقل جاذبية مقارنة بالأصول ذات العائد.
لذلك، فإن وصول الذهب إلى 5000 دولار للأوقية لن يعتمد فقط على استمرار شهية المضاربين، بل سيحتاج أيضًا إلى استمرار البيئة الداعمة من جانب البنوك المركزية والدولار وأسواق السندات والسياسة النقدية الأمريكية.