واصلت أسعار الذهب تحركاتها الصعودية خلال تعاملات الثلاثاء، لتتجاوز حاجز 4695 دولارًا للأوقية، في الوقت الذي يترقب فيه المستثمرون قدرة المعدن النفيس على تثبيت مكاسبه الأخيرة وتحويل المستويات القياسية الحالية إلى قاعدة انطلاق لمزيد من الارتفاع.
وتأتي هذه الموجة الجديدة بعد فترة من التذبذب، بينما تلقى تداول الذهب دعمًا من أكثر من اتجاه في الأسواق العالمية، أبرزها تراجع عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل وضعف الدولار، بالتزامن مع ظهور إشارات على تجدد اهتمام المستثمرين الآسيويين بالمعدن.
الرسم البيانى المباشر لسعر الذهب مقابل الدولار
وتشير هذه التطورات إلى أن صعود الذهب لا يعتمد في الوقت الحالي على عامل منفرد، بل يستند إلى مجموعة من المحركات المالية والاستثمارية التي قد تمنح الأسعار مساحة إضافية للصعود، وإن كان ارتفاعها السريع يرفع في الوقت نفسه احتمالات ظهور عمليات جني أرباح.
الذهب يتجاوز مقاومات مهمة بعد أسابيع من التذبذب
استعاد سعر الذهب خلال الأيام الأخيرة الزخم الذي فقده خلال فترة التماسك السابقة، بعدما تحرك لفترة داخل نطاق ضيق قبل أن يبدأ في اختراق مستويات مقاومة متتالية.
وكان المعدن الاصفر قد تجاوز مستوى 4600 دولار للأوقية في 21 أغسطس، في استمرار للموجة الصعودية التي بدأت في النصف الأول من الشهر. ووفق تحليل محللي المعادن في Heraeus الذي نقلته Kitco، جاء ذلك بعد ارتفاع يقارب 7% خلال موجة الصعود السابقة في أوائل أغسطس، عقب تداول الذهب خلال يوليو بالقرب من نطاق 4000 دولار.
لكن وصول الأسعار إلى منطقة 4700 دولار يضع السوق أمام اختبار مهم؛ فاستمرار التداول فوق هذه المنطقة قد يعزز الصورة الإيجابية، بينما قد يؤدي الفشل في تثبيت المكاسب إلى موجة تصحيح قصيرة بعد الارتفاع القوي.
السندات الأمريكية تمنح الذهب دفعة جديدة
كان التحول في سوق السندات الأمريكية أحد أبرز العوامل التي ساعدت على تحسن أداء الذهب. فقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية زيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل، في خطوة استهدفت دعم السيولة في سوق الخزانة والتعامل مع الضغوط التي تعرضت لها عوائد الديون طويلة الأجل.
وبحسب البيانات التي أوردها تحليل Heraeus، تراجع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 6 نقاط أساس إلى حوالي 4.65%، في حين انخفض عائد السندات لأجل 30 عامًا بنحو 10 نقاط أساس إلى قرابة 5.19%. في المقابل، لم يشهد عائد السنتين تغيرًا كبيرًا ليستقر قرب 4.18%.
وتكشف هذه الحركة عن اختلاف واضح بين الطرفين القصير والطويل لمنحنى العائد؛ إذ كان التأثير الأكبر لتحرك الخزانة في السندات ذات الآجال الطويلة، بينما بقيت توقعات السياسة النقدية قصيرة الأجل أكثر استقرارًا.
لكن انخفاض العوائد لا يعني بالضرورة أن الضغوط على السندات انتهت. فقد أشارت تقارير السوق إلى أن التأثير الأولي لقرار الخزانة قد يكون محدود المدة، في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بالدين الأمريكي والتضخم واحتياجات الاقتراض الحكومي.
وهذا يعني أن الذهب قد يستفيد من تراجع العوائد في المدى القريب، لكن استمرار الصعود سيظل مرتبطًا بمدى قدرة العوائد طويلة الأجل على تجنب موجة ارتفاع جديدة.
ضعف الدولار يزيد جاذبية الذهب
في الوقت نفسه، تلقى الذهب دعمًا من تراجع الدولار الأمريكي. وانخفض مؤشر الدولار DXY إلى مستويات قرب 98.8 نقطة عقب الإعلان عن تحركات الخزانة، ما وفر دعمًا إضافيًا للمعدن المقوم بالعملة الأمريكية. وتكمن أهمية حركة الدولار في أن انخفاض قيمته يجعل الذهب أقل تكلفة نسبيًا بالنسبة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى، وهو ما يمكن أن يساعد في زيادة الطلب العالمي.
لكن استمرار هذه العلاقة الإيجابية يتوقف على اتجاه الدولار خلال الفترة المقبلة، خصوصًا إذا أعادت بيانات التضخم والنمو الأمريكية تشكيل توقعات الأسواق بشأن أسعار الفائدة.
بنك كوريا يلفت الأنظار إلى الطلب الآسيوي
من أبرز التطورات التي تعزز الاهتمام بالذهب حاليًا ما كشفته بيانات بنك كوريا المركزي. فقد أظهر إفصاح لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أن بنك كوريا كان يمتلك بنهاية الربع الثاني من عام 2026 نحو 679,765 سهمًا من صندوق SPDR Gold Trust بقيمة بلغت حوالي 250.4 مليون دولار.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأنها تمثل أول استثمار معلن للبنك الكوري في الذهب منذ نحو 13 عامًا، بعد أن كان قد اشترى 20 طنًا من الذهب المادي في عام 2013. ومن المهم التمييز هنا بين شراء صندوق متداول مرتبط بالذهب وبين شراء السبائك بصورة مباشرة؛ فالاستثمار في الصندوق يمنح البنك تعرضًا لسعر الذهب دون إضافة كمية مماثلة من المعدن المادي إلى الاحتياطيات.
ومع ذلك، فإن دلالة القرار تتجاوز حجم الاستثمار نفسه، لأنه يشير إلى عودة الذهب إلى حسابات إدارة الاحتياطيات لدى أحد البنوك المركزية الآسيوية الكبرى.
لماذا قد يكون تحرك بنك كوريا مهمًا للذهب؟
لا يقتصر توجه بنك كوريا على الاستثمار في صندوق الذهب، إذ أعلن البنك أيضًا عن خطط لشراء الذهب المنتج محليًا بهدف تنويع الاحتياطيات والتحوط من المخاطر الجيوسياسية والتضخمية. وإذا تحولت هذه الخطط إلى مشتريات فعلية ومتكررة من الذهب المادي، فقد تكون أكثر تأثيرًا على السوق من الاستثمار في صناديق الذهب، لأنها تعني طلبًا مباشرًا على المعدن نفسه.
ويأتي ذلك ضمن اتجاه أوسع لدى بعض المؤسسات الرسمية والمستثمرين نحو تنويع الاحتياطيات والأصول، في وقت تستمر فيه المخاوف بشأن مستويات الدين الحكومي العالمي وتقلبات العملات وأسواق السندات.
وقد أشار مجلس الذهب العالمي إلى أن الضغوط على سوق السندات الأمريكية وتزايد الاهتمام بمخاطر الدين والسياسة المالية يمثلان عوامل مهمة في النقاش الحالي حول الطلب على الذهب.
هل يستطيع الذهب مواصلة الصعود فوق 4700 دولار؟
من الناحية الأساسية، ما زالت مجموعة من العوامل تعمل لمصلحة الذهب: ضعف الدولار، وانخفاض عوائد السندات طويلة الأجل، واستمرار المخاوف المتعلقة بالدين الأمريكي، إلى جانب عودة الاهتمام بالذهب كأداة لتنويع الاحتياطيات.
لكن ذلك لا يعني أن الطريق أمام الذهب سيكون خاليًا من التصحيحات.
فبعد الصعود السريع إلى مستويات تقترب من 4700 دولار للأوقية، يصبح السوق أكثر حساسية لأي ارتفاع مفاجئ في عوائد السندات أو عودة قوية للدولار، كما قد تدفع المكاسب الكبيرة بعض المستثمرين إلى تأمين الأرباح. ولهذا، فإن الاختبار الأهم خلال المرحلة المقبلة سيكون قدرة الذهب على الحفاظ على التداول أعلى من منطقة 4600–4700 دولار بدلًا من مجرد الوصول إليها.
إذا نجح المشترون في تحويل هذه المستويات إلى مناطق دعم، فقد تزداد فرص امتداد الاتجاه الصاعد. أما العودة السريعة أسفلها فقد تعني أن السوق يحتاج إلى فترة جديدة من التماسك قبل محاولة تسجيل قمم أعلى.