واصلت أسعار الذهب تسجيل مكاسب قوية خلال أغسطس، بعدما تجاوز المعدن الأصفر حاجز 4600 دولار للأوقية ووصل إلى مستويات قرب 4670 دولارًا، في ظل تراجع الدولار الأمريكي وعودة الطلب على الذهب باعتباره أحد أبرز أصول الملاذ الآمن.
ويأتي هذا الصعود في وقت تتزايد فيه حساسية الأسواق تجاه تطورات سوق سندات الخزانة الأمريكية والسياسة النقدية، ما يطرح سؤالًا مهمًا أمام المستثمرين: هل يستطيع الذهب مواصلة الصعود والوصول إلى مستوى 5000 دولار للأوقية خلال الأشهر المقبلة؟
الرسم البيانى المباشر لسعر الذهب مقابل الدولار
لماذا يرتفع الذهب رغم ارتفاع العوائد؟
لا يرتبط صعود الذهب حاليًا بتوقعات خفض أسعار الفائدة فقط، بل يتأثر أيضًا بتحولات أوسع في أسواق العملات والسندات وتزايد حالة عدم اليقين بشأن السياسة المالية والنقدية الأمريكية.
وكان إعلان وزارة الخزانة الأمريكية عن زيادة حجم عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، مقابل ملياري دولار سابقًا، من التطورات التي لفتت اهتمام الأسواق، إذ ساعدت هذه الخطوة على تهدئة بعض الضغوط في سوق السندات، بينما انعكست التحركات بصورة أكبر على الدولار.
وهذا التطور مهم بالنسبة للذهب؛ فضعف الدولار يجعل المعدن الأصفر المقوم بالعملة الأمريكية أكثر جاذبية للمستثمرين من حائزي العملات الأخرى، كما يدعم الطلب على الذهب باعتباره أداة للتحوط في فترات عدم اليقين.
ضعف الدولار يدعم سوق الذهب
استفاد سوق تداول الذهب خلال الفترة الأخيرة من تراجع الدولار الأمريكي، بالتزامن مع إعادة تقييم المستثمرين لمسار السياسة النقدية الأمريكية. ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة للذهب، لأن انخفاض قيمة الدولار عادة ما يجعل شراء المعدن الأصفر أقل تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، وهو ما قد يساهم في تعزيز الطلب.
كما أن استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسة المالية الأمريكية، إلى جانب تحركات سوق السندات، قد يدفع المستثمرين إلى زيادة مراكزهم في أصول الملاذ الآمن.
وتشير تحركات الذهب والفرنك السويسري خلال فترات ارتفاع تقلبات السياسات إلى استمرار الطلب على أدوات التحوط، وهي بيئة يمكن أن تظل داعمة للمعدن الأصفر إذا استمرت الضغوط على الدولار.
الذهب يتعافى بقوة من قاع يوليو
من الناحية السعرية، حقق سعر الذهب اليوم فنيا تعافيًا قويًا من أدنى مستوياته قرب 4000 دولار للأوقية في أواخر يوليو، ليعود إلى مستويات تتجاوز 4600 دولار خلال أغسطس. كما تجاوز السعر متوسطاته المتحركة المهمة، وهو ما يعكس تحسن الزخم الصاعد على المدى المتوسط، وإن كان الارتفاع السريع في الأسعار يزيد في الوقت نفسه من احتمالات ظهور عمليات جني أرباح قصيرة الأجل.
وفي أحدث تحركاته، سجل الذهب مستويات قرب 4630–4670 دولارًا للأوقية، لتبقى منطقة 4700 دولار محطة فنية مهمة في حال استمرار الموجة الصاعدة.
توقعات سعر الذهب: هل يصل إلى 5000 دولار؟
تزداد أهمية مستوى 5000 دولار للأوقية بعدما بدأت بعض المؤسسات المالية الكبرى في طرح سيناريوهات تستهدف مستويات مرتفعة للمعدن الأصفر. وبحسب توقعات UBS المشار إليها في التقرير، يتضمن المسار المتوقع للذهب وصوله إلى نحو 4600 دولار بنهاية عام 2026، ثم 5000 دولار في مارس، وصولًا إلى 5200 دولار بحلول يونيو 2027.
ولا يعني ذلك أن الوصول إلى 5000 دولار أمر مؤكد، لكنه يعكس مدى تغير توقعات المؤسسات تجاه الذهب، خصوصًا في ظل استمرار الطلب الاستثماري والمخاوف المتعلقة بالسياسة المالية الأمريكية.
وبالتالي، فإن وصول الذهب إلى 5000 دولار خلال الأشهر المقبلة يظل سيناريو صاعدًا قابلًا للتحقق إذا استمرت مجموعة العوامل الداعمة للمعدن الأصفر، وليس مجرد نتيجة محتملة لخفض أسعار الفائدة وحده.
ما الذي قد يدفع الذهب إلى 5000 دولار؟
هناك عدة عوامل يمكن أن تساعد الذهب على مواصلة الاتجاه الصاعد نحو مستوى 5000 دولار للأوقية، أبرزها:
استمرار ضعف الدولار الأمريكي، بما يزيد جاذبية الذهب للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة.
انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية، وهو ما يقلل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائدًا.
تزايد الطلب على الملاذات الآمنة في ظل المخاطر المالية والجيوسياسية.
استمرار مشتريات البنوك المركزية وزيادة الطلب الاستثماري على المعدن الأصفر.
تجدد المخاوف بشأن الدين والسياسة المالية الأمريكية، بما قد يدعم الإقبال على الذهب للتحوط.
تحول توقعات السياسة النقدية الأمريكية نحو مزيد من التيسير إذا تراجعت الضغوط التضخمية.
إذا اجتمعت هذه العوامل، فقد يحصل الذهب على الزخم اللازم لتجاوز مستويات 4700 و4800 دولار، ثم الاقتراب تدريجيًا من حاجز 5000 دولار.
ما الذي قد يمنع الذهب من الوصول إلى 5000 دولار؟
رغم قوة الاتجاه الصاعد، لا يخلو السيناريو من مخاطر. فقد يؤدي تصريح أكثر تشددًا من مجلس الاحتياطي الفيدرالي أو ارتفاع التضخم إلى إعادة تسعير توقعات الفائدة، بما قد يدفع عوائد السندات الحقيقية إلى الارتفاع ويضغط على سعر الذهب. كما أن عودة الدولار إلى الارتفاع قد تقلل من جاذبية المعدن الأصفر، في حين أن الارتفاع القوي الذي شهده الذهب خلال أغسطس يزيد احتمالات حدوث موجات جني أرباح وتصحيحات مؤقتة.
ولهذا، فإن وصول الذهب إلى 5000 دولار لن يكون مسارًا مستقيمًا بالضرورة، وقد تمر الأسعار بمراحل من التراجع والتماسك قبل استئناف الاتجاه الصاعد.
التحليل الفني للذهب
فنيًا، لا تزال الصورة العامة للذهب إيجابية على المدى المتوسط، خاصة مع نجاح السعر في تجاوز مستويات مقاومة مهمة والحفاظ على التداول أعلى متوسطاته المتحركة الرئيسية. ويظل مستوى 4600 دولار منطقة محورية؛ فاستقرار الذهب فوقها يدعم استمرار الزخم الصاعد، بينما قد يؤدي تجاوز 4700 دولار والثبات أعلاه إلى تعزيز فرص استهداف مستويات 4800 دولار ثم المنطقة النفسية عند 5000 دولار.
في المقابل، فإن عودة السعر دون مستويات الدعم القريبة قد تشير إلى بدء موجة تصحيح لجني الأرباح، خصوصًا بعد الارتفاع القوي خلال أغسطس.
وبالتالي، فإن الطريق إلى 5000 دولار يظل مفتوحًا فنيًا، لكن تأكيد هذا السيناريو يحتاج إلى استمرار القمم والقيعان الصاعدة واختراق مستويات المقاومة الرئيسية تدريجيًا.
الذهب أمام اختبار بيانات التضخم وخطاب الفيدرالي
تتجه أنظار المستثمرين إلى بيانات التضخم الأمريكية المقبلة وإشارات السياسة النقدية من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، خصوصًا أن أي مفاجأة في بيانات الأسعار أو تصريحات أكثر تشددًا من مسؤولي البنك المركزي قد تؤثر سريعًا في الدولار والعوائد وبالتالي في الذهب.
وقد تكون هذه البيانات بمثابة اختبار جديد لقوة الموجة الصاعدة الحالية؛ فإذا استمر ضعف الدولار وتراجعت توقعات أسعار الفائدة الحقيقية، فقد يجد الذهب دعمًا إضافيًا لاستكمال مساره الصاعد.
أما إذا ارتفعت العوائد الحقيقية وتعزز الدولار، فقد يتعرض المعدن الأصفر لجني أرباح قبل أن يعاود تحديد اتجاهه.
خلاصة توقعات الذهب اليوم
تشير الصورة الحالية إلى أن سيناريو وصول الذهب إلى 5000 دولار للأوقية أصبح أكثر قابلية للنقاش مع استمرار ضعف الدولار وزيادة الطلب على الملاذات الآمنة وارتفاع المخاوف بشأن السياسة المالية الأمريكية. لكن مستوى 5000 دولار يظل هدفًا مستقبليًا وليس سعرًا مضمونًا، وسيحتاج الذهب إلى الحفاظ على زخمه الصاعد وتجاوز مستويات 4700 و4800 دولار قبل الاقتراب من هذا المستوى النفسي المهم.
وبالنسبة للمتداولين، فإن قوة الاتجاه الصاعد لا تعني غياب مخاطر التصحيح؛ لذلك تبقى مراقبة مستويات الدعم وإدارة رأس المال أكثر أهمية مع ارتفاع تقلبات الذهب.