يحافظ الذهب على جاذبيته في السوق الصينية، لكن طبيعة الطلب تشهد تحولًا لافتًا خلال عام 2026. فبينما أدت الأسعار المرتفعة إلى تراجع حاد في مشتريات المجوهرات، اتجه المستثمرون بقوة أكبر نحو سبائك وعملات الذهب، ما ساعد على إبقاء إجمالي الاستهلاك في الصين عند مستويات مرتفعة.
الرسم البيانى المباشر لسعر الذهب
وكانت قد أظهرت أحدث بيانات جمعية الذهب الصينية (CGA) ارتفاع إجمالي استهلاك الذهب في الصين بنسبة 1.23% على أساس سنوي خلال النصف الأول من عام 2026، ليصل إلى 511.41 طنًا، مقابل 505.21 طنًا خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
ورغم أن معدل النمو يبدو محدودًا عند النظر إلى الرقم الإجمالي، فإن تفاصيل البيانات تكشف تغيرًا جوهريًا في خريطة الطلب؛ إذ تراجع الاستهلاك المرتبط بالمجوهرات بصورة حادة، في حين سجل الطلب الاستثماري قفزة قوية.
أسعار الذهب المرتفعة تعيد تشكيل سلوك المستهلك الصيني
تشير جمعية الذهب الصينية إلى أن التحركات الحادة في أسعار الذهب، والتي دفعت المعدن النفيس إلى مستويات قياسية، إلى جانب التغيرات في السياسات الضريبية المحلية، بدأت تؤثر بشكل واضح على أنماط شراء الذهب في الصين.
وكان قطاع المجوهرات الأكثر تضررًا من هذه التطورات، مع ارتفاع تكلفة شراء المشغولات الذهبية بالنسبة للمستهلك النهائي.
وانخفض استهلاك الذهب في قطاع المجوهرات بنسبة 33.88% على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، ليصل إلى 132.13 طنًا.
ويعكس هذا التراجع تحولًا في سلوك المستهلكين، حيث أصبحت الأسعار المرتفعة عاملًا أكثر تأثيرًا في قرارات شراء المجوهرات، خصوصًا أن تكلفة المشغولات لا ترتبط بسعر الذهب الخام فقط، وإنما تشمل أيضًا تكاليف التصنيع وهوامش البيع بالتجزئة.
السبائك والعملات تقود موجة الطلب الاستثماري
في المقابل، سجل الذهب الاستثماري أداءً مختلفًا تمامًا. فقد ارتفع استهلاك سبائك وعملات الذهب إلى 339.34 طنًا خلال النصف الأول من العام، بزيادة قدرها 28.42% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
وهنا تظهر المفارقة الرئيسية في السوق الصينية: ارتفاع سعر الذهب يضغط على الطلب الاستهلاكي، لكنه في الوقت نفسه يعزز جاذبية الذهب كأداة استثمارية.
وأوضحت جمعية الذهب الصينية أن التراجعات المؤقتة في أسعار المعدن النفيس حفزت موجات متكررة من شراء السبائك عبر القنوات المصرفية المحلية، في إشارة إلى استمرار اهتمام المستثمرين باقتناص الانخفاضات بدلًا من التخلي عن الذهب.
وبالتالي، لم يؤد ارتفاع الأسعار إلى خروج الطلب الصيني من سوق الذهب، بل ساهم في إعادة توجيهه من المجوهرات نحو الأصول الذهبية الاستثمارية.
الطلب الصناعي يتراجع مع ارتفاع تكلفة الذهب
لم يقتصر تأثير ارتفاع الأسعار على سوق المجوهرات، بل امتد أيضًا إلى الاستخدامات الصناعية. وانخفض استهلاك الذهب في الاستخدامات الصناعية وغيرها بنسبة 2.9% خلال النصف الأول من 2026، ليصل إلى 39.94 طنًا. ويشير هذا التراجع إلى أن ارتفاع تكلفة المعدن النفيس بدأ يفرض ضغوطًا أكبر على المؤسسات الصناعية التي تستخدم الذهب ضمن عمليات الإنتاج، في وقت أصبحت فيه الأسعار المرتفعة تحد من القدرة على زيادة استهلاكه للأغراض غير الاستثمارية.
وبذلك، يبدو أن الارتفاع الكبير في أسعار الذهب يخلق تأثيرًا مزدوجًا داخل الاقتصاد الصيني: ضغط على الطلب الصناعي والاستهلاكي، مقابل زيادة في الطلب الاستثماري.
وعلى جانب المعروض، تبدو الصورة أكثر أهمية بالنسبة لسوق الذهب العالمي.
فقد انخفض إنتاج الصين من الذهب المستخرج من المواد الخام المحلية بنسبة 14.62% على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، إلى نحو 152.91 طنًا. وأرجعت جمعية الذهب الصينية هذا الانخفاض إلى عمليات التفتيش المتعلقة بالسلامة، وإجراءات التصحيح، إلى جانب حملات الحوكمة البيئية التي استهدفت عددًا من المقاطعات الرئيسية المنتجة للذهب.
وأدت هذه الإجراءات إلى توقف مؤقت للإنتاج في بعض المناجم الكبرى، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حجم الإنتاج المحلي.
وفي المقابل، ارتفع إنتاج الذهب من المواد الخام المستوردة بنسبة 4.62%، بما يعادل نحو 3.40 طن، ليصل إلى 77.08 طنًا خلال النصف الأول من العام.
لكن هذه الزيادة لم تكن كافية لتعويض الانخفاض الكبير في الإنتاج المحلي. وبلغ إجمالي إنتاج الصين من الذهب، من المواد الخام المحلية والمستوردة، نحو 229.99 طنًا خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، بانخفاض قدره 9.01% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وهذه المعادلة تستحق المتابعة عن كثب؛ إذ يأتي تراجع الإنتاج في الصين بالتزامن مع استمرار الطلب الاستثماري القوي، ما قد يضيف عنصر دعم إلى سوق الذهب إذا استمرت هذه الاتجاهات خلال النصف الثاني من العام.
توقعات الذهب: هل يمنح الطلب الصيني الأسعار دعمًا إضافيًا؟
تكشف البيانات الصينية عن تغير مهم في أحد أكبر أسواق الذهب عالميًا. فالطلب التقليدي على المجوهرات يتراجع بقوة، لكن هذا الانخفاض يجري تعويضه إلى حد كبير من خلال زيادة الطلب على السبائك والعملات.
وهذا يعني أن ارتفاع أسعار الذهب لم يفقد المعدن جاذبيته لدى المستثمرين الصينيين، بل دفعهم إلى التعامل معه بصورة مختلفة.
وفي حال استمرت الأسعار عند مستويات مرتفعة، فمن المرجح أن يظل الطلب على المجوهرات تحت الضغط، بينما قد يستمر المستثمرون في التركيز على شراء الذهب الاستثماري خلال فترات التراجع السعري. وفي الوقت نفسه، فإن انخفاض الإنتاج المحلي الصيني يمثل عاملًا آخر يمكن أن يؤثر في معادلة العرض والطلب العالمية، خصوصًا إذا تزامن مع استمرار الطلب الاستثماري من الصين والأسواق الأخرى.
الخلاصة: الصين لا تتخلى عن الذهب.. لكنها تغير طريقة شرائه
تؤكد بيانات النصف الأول من 2026 أن قوة سوق الذهب الصينية لا تزال قائمة، لكن تركيب الطلب تغير بصورة واضحة. فقد تراجعت مبيعات المجوهرات بأكثر من الثلث، في حين قفز الطلب على السبائك والعملات بأكثر من 28%، وهو ما يكشف عن تحول المستثمرين من شراء الذهب للاستخدام الشخصي إلى الاحتفاظ به كأصل استثماري. وفي الوقت نفسه، أدى تراجع الإنتاج المحلي بنسبة تتجاوز 14% إلى انخفاض إجمالي إنتاج الذهب الصيني بنحو 9%، ما يضيف جانبًا آخر من الضغوط إلى جانب العرض.
وبالنسبة لأسعار الذهب العالمية، ستبقى قوة الطلب الاستثماري الصيني، ومسار الإنتاج المحلي، وحركة الأسعار العالمية من أهم المتغيرات التي تستحق المتابعة خلال الفترة المقبلة.
فإذا استمر المستثمرون الصينيون في استغلال التراجعات لزيادة حيازاتهم من السبائك والعملات، فقد يجد الذهب دعمًا إضافيًا للحفاظ على مستوياته المرتفعة، بينما سيظل تجاوز منطقة 4430–4500 دولارًا فنيًا هو الإشارة الأهم على إمكانية استئناف الاتجاه الصعودي.