رغم الضغوط التي فرضها ارتفاع العوائد الحقيقية للسندات وتصاعد توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية، لا تزال شركة جيفريز (Jefferies) ترى أن الذهب يمتلك مقومات العودة إلى الارتفاع خلال الفترة المقبلة، مدعومًا بعوامل هيكلية تتجاوز تأثير أسعار الفائدة. وتعتقد الشركة أن موجة التصحيح التي شهدها المعدن النفيس خلال الأشهر الماضية ربما تكون قد استوعبت الجزء الأكبر من التأثير السلبي الناتج عن تغير توقعات الأسواق، ما يفتح المجال أمام تعافٍ تدريجي إذا بدأت الضغوط على أسعار الفائدة في الانحسار.
الرسم البيانى المباشر لسعر الذهب
لماذا تعرض الذهب لضغوط قوية؟
استقرت أسعار الذهب مؤخرًا بالقرب من 4000 دولار للأوقية، في وقت دفعت فيه المخاوف من استمرار التضخم المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم بشأن السياسة النقدية الأمريكية.
وجاء ذلك بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية عقب الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، والتي أدت إلى اضطرابات في إمدادات الطاقة وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما ساهم في ارتفاع أسعار النفط وزيادة المخاوف التضخمية.
وأدى هذا المشهد إلى ارتفاع توقعات الأسواق بشأن رفع أسعار الفائدة، مع ترجيح تنفيذ زيادتين خلال العام، تبدأ الأولى في سبتمبر، وهو ما انعكس مباشرة على ارتفاع العوائد الحقيقية للسندات، التي تعد أحد أهم العوامل المؤثرة في تحركات الذهب.
ارتفاع العوائد الحقيقية يضغط على المعدن النفيس
أوضحت جيفريز أن العائد الحقيقي على سندات الخزانة الأمريكية المحمية من التضخم لأجل عشر سنوات ارتفع إلى نحو 2.41% مقارنة مع 1.94% في بداية العام، بينما ارتفع أيضًا معدل الفائدة الحقيقي المحسوب من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، في إشارة إلى تشديد الأوضاع المالية.
وترى الشركة أن هذا الارتفاع يزيد من تكلفة الاحتفاظ بالذهب، باعتباره أصلًا لا يحقق عائدًا دوريًا، وهو ما يفسر جانبًا كبيرًا من التراجع الذي شهدته الأسعار خلال الفترة الأخيرة. ووفقًا لمحللي جيفريز، فإن التحول السريع في توقعات الأسواق من انتظار خفض أسعار الفائدة مطلع عام 2026 إلى توقع رفعها مرة أو مرتين أدى إلى هبوط الذهب بنحو 25% مقارنة بأعلى مستوياته.
ماذا تخبرنا الدورات السابقة؟
اعتمدت جيفريز على مقارنة الوضع الحالي بمحطات سابقة شهدت ارتفاعًا قويًا في أسعار الفائدة الحقيقية، مثل أعوام 2013 و2018 و2022. وتشير البيانات إلى أن الذهب وأسهم شركات التعدين تعرضت لضغوط واضحة خلال فترات التشديد النقدي، إلا أن الأداء خلال الاثني عشر شهرًا التالية اختلف من دورة إلى أخرى.
وتؤكد الشركة أن العامل الحاسم لم يكن مستوى الفائدة في حد ذاته، وإنما اتجاهها بعد انتهاء موجة التشديد، إذ إن تراجع الضغوط على أسعار الفائدة كان غالبًا ما يمهد الطريق لتعافي الذهب وأسهم شركات التعدين.
لماذا لا تزال جيفريز متفائلة؟
على الرغم من استمرار حالة عدم اليقين، ترى جيفريز أن السوق أعاد بالفعل تسعير معظم الأخبار السلبية، وهو ما يقلل من احتمالات حدوث موجة بيع جديدة بنفس القوة. وتشير الشركة إلى أن المستثمرين ينبغي ألا يركزوا فقط على المستوى الحالي لأسعار الفائدة الحقيقية، بل على اتجاهها المستقبلي، معتبرة أن أي تحول نحو سياسة نقدية أقل تشددًا قد يمنح الذهب دفعة قوية.
عوامل داعمة قد تعيد الذهب إلى الصعود
وترى جيفريز أن الذهب يستمد قوته من مجموعة واسعة من العوامل الأساسية التي تتجاوز تأثير أسعار الفائدة، من أبرزها:
استمرار مشتريات البنوك المركزية من الذهب.
تصاعد المخاطر الجيوسياسية العالمية.
المخاوف المتعلقة بأوضاع المالية العامة.
تنامي الاتجاه نحو تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.
زيادة الإقبال على الأصول الحقيقية كوسيلة للتحوط.
وتعتقد الشركة أن هذه العوامل ستظل توفر دعمًا قويًا للذهب حتى في بيئة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة.
الذكاء الاصطناعي قد يغير مسار الفائدة
وفي سياق متصل، أشار كريستوفر وود، الرئيس العالمي لاستراتيجية الأسهم في جيفريز، إلى أن استمرار السياسة النقدية المتشددة قد يصبح محل شك إذا تباطأت الاستثمارات الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي. وأوضح أن أي تراجع حاد في دورة الإنفاق الرأسمالي المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يدفع الاقتصاد الأمريكي إلى التباطؤ، وهو ما قد يحد من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على مواصلة رفع أسعار الفائدة.
توقعات الذهب
تخلص جيفريز إلى أن المرحلة الحالية قد تمثل فرصة لإعادة بناء المراكز الاستثمارية في الذهب وأسهم شركات التعدين، خاصة إذا بدأت توقعات أسعار الفائدة الحقيقية في التراجع خلال الأشهر المقبلة.
وترى الشركة أن قوة الطلب الرسمي، واستمرار التوترات الجيوسياسية، وإمكانية تغير مسار السياسة النقدية الأمريكية، قد تشكل مجتمعة عوامل داعمة لعودة الاتجاه الصاعد للذهب على المدى المتوسط، رغم استمرار التقلبات في الأجل القصير.