تعود أسعار الذهب إلى واجهة الأسواق بقوة بعد أشهر من التصحيح والتذبذب، مع تجدد الرهانات على قدرة المعدن الثمين على استعادة مستويات قياسية جديدة. وفي أحدث تطورات السوق، رفعت Natixis توقعاتها لسعر الذهب بنهاية العام إلى 5000 دولار للأوقية، مقارنةً بتوقع سابق عند 4600 دولار، في خطوة تعكس تزايد المخاوف بشأن الديون الأمريكية واستقرار سوق السندات.
الرسم البيانى المباشر لسعر الذهب مقابل الدولار الامريكى
وجاءت المراجعة الجديدة من برنارد دحداح، محلل المعادن الثمينة في Natixis، الذي يرى أن سوق تداول الذهب استفاد خلال أغسطس من إعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة، إلى جانب تصاعد المخاوف المرتبطة بالوضع المالي الأمريكي وسوق السندات.
لماذا رفعت Natixis توقعات الذهب إلى 5000 دولار؟
يرى المحلل أن سعر الذهب نجح خلال الفترة الأخيرة في الحفاظ على مستويات دعم مهمة أعلى من 4000 دولار للأوقية، بالتزامن مع موجة صعود قوية دفعت المعدن النفيس إلى تحقيق مكاسب شهرية استثنائية. وبحسب التقديرات التي نقلتها Kitco عن محلل Natixis، كان مؤشر سعر الذهب يتجه لتحقيق أفضل أداء شهري له منذ سبتمبر 1999، مع مكاسب شهرية تقترب من 15% في وقت صدور التوقعات الجديدة.
ويأتي ذلك بعدما شهد الذهب موجة تصحيح استمرت عدة أشهر، قبل أن يستعيد الزخم الصعودي مجددًا مع تغير توقعات الأسواق بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية.
إعادة تسعير الفائدة تعيد دعم الذهب
أحد المحركات الرئيسية وراء عودة الذهب إلى الصعود كان التحول في توقعات أسعار الفائدة الأمريكية. وبحسب المحلل، بدأت موجة الصعود الحالية في أوائل أغسطس بعدما دفعت البيانات الاقتصادية الأضعف من المتوقع الأسواق إلى إعادة تقييم مسار الفائدة. وتغيرت توقعات المستثمرين بصورة ملحوظة مقارنة بالشهر السابق، لتتحول التسعيرات السوقية نحو توقع خفض واحد للفائدة في ديسمبر.
وعادةً ما يستفيد تداول الذهب من انخفاض توقعات أسعار الفائدة، لأن تراجع العوائد المحتملة على الأصول المدرة للفائدة يقلل من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس الذي لا يدر عائدًا.
لكن اللافت في الرؤية الحالية لـ Natixis هو أن دعم الذهب لم يعد مرتبطًا فقط بتوقعات الفائدة، وإنما أصبح مرتبطًا بصورة أكبر بالمخاوف المالية الأمريكية.
سوق السندات الأمريكية يدخل دائرة الضوء
بحسب منصات التداول الموثوقة. فقد شهد سوق الذهب موجة دعم جديدة بعدما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية زيادة عمليات إعادة شراء سندات الخزانة لأجل 10 و30 عامًا إلى 4 مليارات دولار. وجاء ذلك في وقت ارتفع فيه عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى نحو 5.3%، وهو مستوى وصفه المحلل بأنه الأعلى في نحو عقدين، مع تزايد المخاوف من تأثير ارتفاع العوائد طويلة الأجل على أسواق الرهن العقاري والعقارات.
ويرى محلل Natixis أن تدخل وزارة الخزانة في سوق السندات يعكس حساسية الأسواق تجاه ارتفاع تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، وهو ما قد يزيد المخاوف بشأن الاستقرار المالي إذا استمرت العوائد في الارتفاع.
هل تصبح مخاوف الديون الأمريكية محركًا جديدًا للذهب؟
يرى الخبير بأن تنامي المخاوف المتعلقة بالدين السيادي الأمريكي يمكن أن يوفر دعمًا إضافيًا للذهب خلال الفترة المتبقية من العام. وتأتي هذه الرؤية في ظل تجاوز الدين الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار، بالتزامن مع مخاوف بشأن نمو الإنفاق الحكومي وتحديات الإيرادات.
كما أشار إلى أن ارتفاع الديون في الأسواق الخاصة، خاصة مع توسع شركات الذكاء الاصطناعي، يمثل عاملًا إضافيًا يستحق المتابعة. وبحسب تحليله، فإن القلق لا يقتصر على حجم الدين نفسه، وإنما يمتد إلى قدرة الأسواق على استيعاب الزيادة المستمرة في الاقتراض، خصوصًا إذا ظلت عوائد السندات طويلة الأجل مرتفعة.
وهنا يظهر الذهب باعتباره أحد الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون للتحوط من مخاطر تراجع قيمة العملات أو اضطراب أسواق الديون.
الذهب أمام معادلة مختلفة رغم ارتفاع تكلفة الاحتفاظ به
رغم أن ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد على السندات عادةً ما يمثل عامل ضغط على الذهب، يرى المحلل أن المخاوف بشأن الاستقرار المالي وأسواق السندات يمكن أن تتغلب على تأثير تكلفة الفرصة البديلة. وبمعنى آخر، قد لا يكون المستثمر أمام مفاضلة تقليدية بين الذهب والسندات فقط، بل أمام سؤال أكبر يتعلق بمدى الثقة في استقرار الأسواق المالية وقوة العملة الأمريكية على المدى الطويل.
هذه المخاوف، وفق رؤية Natixis، قد تزيد جاذبية الذهب كأداة للتحوط وتنويع المخاطر.
هل يصل سعر الذهب إلى 5000 دولار قبل نهاية العام؟
رفع المحلل توقعه لسعر الذهب بنهاية 2026 إلى 5000 دولار للأوقية، مقابل 4600 دولار في تقديره السابق. ولكن الأهم أن توقعه لا يتوقف عند نهاية العام؛ إذ يرى أن متوسط سعر الذهب يمكن أن يصل إلى نحو 5000 دولار للأوقية خلال 2027 أيضًا.
وهذا يعني أن Natixis لا تتعامل مع مستوى 5000 دولار باعتباره مجرد قمة مؤقتة، بل ترى إمكانية تحول هذا المستوى إلى متوسط سعري مهم خلال المرحلة المقبلة، إذا استمرت المخاوف المتعلقة بالدين السيادي والاستقرار المالي.
ملاحظة هامة:
توقعات الأسعار الواردة في المقال تعكس رؤية محلل Natixis وليست ضمانًا لتحرك الذهب نحو هذه المستويات، إذ تظل الأسعار معرضة للتغير وفق تطورات الفائدة والدولار وعوائد السندات والبيانات الاقتصادية والظروف المالية العالمية.