نجحت ألمانيا في الحد من تداعيات اضطرابات أسواق الطاقة العالمية عبر زيادة اعتمادها على واردات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، في خطوة عززت أمن الإمدادات رغم استمرار التوترات الجيوسياسية وتعطل تدفقات الغاز القادمة من منطقة الخليج.
وأظهرت بيانات الهيئة الاتحادية الألمانية للشبكات (Bundesnetzagentur) ارتفاع حصة الغاز الطبيعي المسال من إجمالي إمدادات الغاز في ألمانيا إلى 12% خلال النصف الأول من العام، مقارنة مع 10% خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك رغم الانخفاض الحاد في الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط عقب إغلاق مضيق هرمز.
الولايات المتحدة تعزز مكانتها كمورد رئيسي للغاز إلى ألمانيا
أكدت الهيئة التنظيمية أن موانئ استقبال الغاز الطبيعي المسال على بحر الشمال وبحر البلطيق واصلت استقبال كميات متزايدة من الشحنات، حتى خلال ذروة الحرب الإيرانية، في ظل اعتماد ألمانيا بصورة أكبر على الإمدادات الأمريكية لتعويض تراجع الواردات من منطقة الخليج. وفي المقابل، توقفت إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر والإمارات العربية المتحدة طوال معظم الأشهر الأربعة الماضية نتيجة إغلاق مضيق هرمز، بينما تأثرت صادرات قطر أيضًا بعد تعليق عمليات التسييل إثر الهجمات الصاروخية التي استهدفت بعض منشآت البنية التحتية للطاقة.
وقالت الهيئة في تقريرها الدوري حول أوضاع سوق الغاز إن الغاز القادم من الخليج العربي لم يعد يمثل عنصرًا رئيسيًا في مزيج واردات ألمانيا، موضحة أن الولايات المتحدة أصبحت المورد الأكبر للغاز الطبيعي المسال إلى السوق الألمانية في المرحلة الحالية.
الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي المسال يواصل النمو
ورغم الاضطرابات التي شهدتها أسواق الطاقة، خاصة تلك المرتبطة بالإمدادات القطرية، فإن إنتاج الغاز الطبيعي المسال عالميًا واصل تسجيل مستويات قياسية. ووفقًا لبيانات الهيئة الألمانية، ارتفع الإنتاج العالمي إلى نحو 1.59 مليار متر مكعب يوميًا بحلول مايو 2026، مقارنة مع 1.56 مليار متر مكعب يوميًا خلال مايو 2025، وهو ما ساهم في تخفيف الضغوط على الأسواق العالمية ودعم استقرار الإمدادات.
وأكدت الهيئة أن مستوى المخاطر التي تهدد إمدادات الغاز في ألمانيا لا يزال منخفضًا، مشيرة إلى أن السوق المحلية تتمتع بدرجة جيدة من الاستقرار رغم استمرار التوترات الجيوسياسية.
تحديات مستمرة أمام الصناعة الألمانية
ورغم استقرار الإمدادات، فإن القطاع الصناعي الألماني لا يزال يواجه تحديات كبيرة نتيجة تقلب أسعار الغاز خلال الأشهر الماضية، وهو ما أدى إلى تراجع ملحوظ في الطلب الصناعي على الطاقة. ويثير هذا التطور مخاوف بشأن قدرة الصناعات الألمانية على الحفاظ على تنافسيتها عالميًا، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج مقارنة بعدد من الاقتصادات المنافسة.
تنويع مصادر الإمدادات يظل أولوية استراتيجية
وقبل اندلاع الحرب الإيرانية مطلع العام الجاري، أكدت شركة يونيبر، إحدى أكبر شركات استيراد الغاز الطبيعي المسال في شمال غرب أوروبا، أنها لا ترى أي مخاطر فورية في اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة لتوفير أكثر من نصف وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، معتبرة أن الإمدادات الأمريكية تمثل الخيار الأكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية في المرحلة الحالية.
ورغم ذلك، شدد كارستن بوبينغا، كبير المسؤولين التجاريين في الشركة، على أهمية مواصلة تنويع مصادر التوريد، مؤكدًا أن الاعتماد على مورد واحد، مهما بلغت موثوقيته، لا يلغي الحاجة إلى توزيع المخاطر وتعزيز أمن الطاقة على المدى الطويل.
وبشكل عام. تشير التطورات الأخيرة إلى أن ألمانيا تمكنت من تعزيز مرونة منظومة الطاقة لديها عبر توسيع الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، وهو ما ساعدها على تجاوز اضطرابات الإمدادات القادمة من الخليج. ومع ذلك، يبقى تنويع مصادر الاستيراد وتحقيق توازن بين أمن الطاقة والتكلفة الاقتصادية من أبرز التحديات التي ستواجه أكبر اقتصاد أوروبي خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل استمرار التقلبات الجيوسياسية في أسواق الطاقة العالمية.