اليورو يقترب من اختبار حاسم مع تصاعد التوقعات بأن يتخذ البنك المركزي الأوروبي خطوة جديدة نحو تشديد السياسة النقدية، في وقت تبدو فيه الأسواق أقل اقتناعاً بإمكانية تحرك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال الأشهر المقبلة.
وقد انعكس هذا التحول في توقعات المستثمرين على أداء سوق العملات، حيث تمكنت العملة الأوروبية الموحدة من تحقيق مكاسب محدودة أمام الدولار مع تراجع الرهانات على أي تغيير قريب في السياسة النقدية الأمريكية.
الرسم البيانى المباشر لزوج اليورو مقابل الدولار
ويأتي هذا التحرك بعد صدور بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة التي حملت رسائل متباينة للأسواق. فعلى الرغم من استمرار الضغوط السعرية عند مستويات مرتفعة نسبياً، أظهرت المؤشرات الأساسية للتضخم تباطؤاً غير متوقع، ما عزز قناعة المستثمرين بأن الاحتياطي الفيدرالي لن يجد مبرراً كافياً لتغيير أسعار الفائدة في المدى القريب.
التضخم الأمريكي يرسل إشارات متناقضة
أظهرت أحدث بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكى لمراقبة التضخم، أن الصورة لا تزال معقدة. فقد ارتفع المعدل السنوي للتضخم الرئيسي إلى 3.8% خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في أبريل، وهو أعلى مستوى له منذ عدة سنوات، مدفوعاً بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة.
في المقابل، جاءت القراءة الأساسية التي تستبعد أسعار الغذاء والطاقة أقل من المتوقع، حيث تباطأ النمو الشهري إلى 0.2% فقط، في إشارة إلى أن انتقال الضغوط التضخمية إلى بقية قطاعات الاقتصاد لا يزال محدوداً حتى الآن.
ويرى العديد من توقعات المحللين أن هذه الأرقام تمنح الاحتياطي الفيدرالي سبباً إضافياً للتمسك بسياسة الانتظار والترقب، خاصة في ظل غياب دلائل واضحة على تسارع التضخم الأساسي بشكل مستدام.
الفيدرالي يفضل الانتظار
ورغم استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة، فإن الأسواق لا تتوقع حالياً أي تغيير وشيك في أسعار الفائدة الأمريكية. بل إن المستثمرين يعتقدون أن صناع السياسة النقدية في الولايات المتحدة سيواصلون مراقبة تطورات سوق العمل والإنفاق الاستهلاكي وأسعار الطاقة قبل اتخاذ أي خطوات جديدة.
ويعني ذلك أن الدولار قد يفقد أحد أهم مصادر دعمه خلال الفترة الماضية، خاصة إذا استمرت المؤشرات الاقتصادية في إظهار تباطؤ تدريجي في الضغوط التضخمية الأساسية.
المركزي الأوروبي يقترب من التحرك
على الجانب الآخر، تتزايد التوقعات بأن البنك المركزي الأوروبي يستعد لاتخاذ خطوة أكثر تشدداً خلال اجتماعه المقبل، مدفوعاً بمخاوف متنامية من انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية قطاعات الاقتصاد الأوروبي. وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة الضغوط على الشركات الصناعية، ما دفع عدداً متزايداً من الشركات إلى التخطيط لرفع أسعار منتجاتها خلال الأشهر المقبلة. وتُعد هذه التطورات مؤشراً مبكراً على احتمال اتساع دائرة التضخم خارج قطاع الطاقة.
كما أن صناع السياسة النقدية في منطقة اليورو يواجهون تحدياً إضافياً يتمثل في منع ترسخ توقعات التضخم المرتفع بين المستهلكين والشركات، وهو ما قد يدفع البنك إلى تبني موقف أكثر صرامة من المتوقع.
هل تكون زيادة واحدة أم بداية دورة جديدة؟
السؤال الأهم الذي يشغل الأسواق حالياً لا يتعلق فقط بقرار يونيو، بل بما سيأتي بعده. فبينما تبدو خطوة رفع الفائدة المقبلة شبه محسومة في نظر المستثمرين، لا يزال الغموض يحيط بمسار السياسة النقدية الأوروبية خلال النصف الثاني من العام.
فإذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة وبدأت آثارها بالانتقال إلى تكاليف النقل والإنتاج والمواد الغذائية، فقد يجد البنك المركزي الأوروبي نفسه مضطراً إلى مواصلة التشديد النقدي لفترة أطول. أما إذا تراجعت أسعار النفط وانحسرت الضغوط التضخمية، فقد يكتفي البنك بخطوة واحدة قبل العودة إلى سياسة الترقب.
ما الذي يعنيه ذلك لليورو؟
في الوقت الراهن، يبدو أن ميزان التوقعات يميل لصالح العملة الأوروبية، خاصة مع اتساع الفجوة بين توقعات السياسة النقدية في أوروبا والولايات المتحدة. وإذا تأكدت رهانات الأسواق بشأن رفع الفائدة الأوروبية واستمرار الفيدرالي في موقفه الحذر، فقد يحصل اليورو على دعم إضافي يسمح له بمواصلة التعافي أمام الدولار خلال الفترة المقبلة.
لكن المسار النهائي سيظل مرهوناً بتطورات التضخم وأسعار الطاقة والبيانات الاقتصادية القادمة، وهي عوامل قد تعيد رسم خريطة التوقعات النقدية العالمية في أي وقت.