تتجه أسعار النفط العالمية نحو تسجيل خسائر قوية خلال شهر مايو، في ظل تصاعد الرهانات في الأسواق على اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاق قد يعيد رسم خريطة الإمدادات في الشرق الأوسط، ويخفف من حدة التوترات الجيوسياسية التي دعمت الأسعار خلال الفترة الماضية.
الرسم البيانى المباشر لسعر النفط
وحسب الاداء عبر افضل منصات شركات تداول النفط، فإن سعر خام برنت كان على مسار تسجيل تراجع شهري يقارب 19%، وهو ما قد يمثل أكبر انخفاض شهري منذ عام 2020، في إشارة واضحة إلى تحول حاد في معنويات السوق من مخاوف نقص الإمدادات إلى توقعات بزيادة المعروض المحتمل.
أداء أسعار النفط خلال مايو
يأتي هذا الأداء السلبي لسوق النفط امتدادًا لموجة تصحيح قوية شهدها السوق خلال مايو، بعد أن سجلت الأسعار في أبريل ارتفاعات تاريخية مدفوعة باضطرابات حادة في جانب الإمدادات، ما أدى إلى قفزة في أسعار الوقود عالميًا، بما في ذلك تجاوز متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة مستوى 4 دولارات للجالون.
التحول في المعنويات: من أزمة إمدادات إلى رهانات سياسية
شهدت الأسواق تحولًا سريعًا في اتجاه التسعير خلال الأسابيع الأخيرة، حيث انتقل تركيز المستثمرين من مخاطر نقص الإمدادات إلى احتمالات انفراج سياسي بين واشنطن وطهران.
وتزايدت الرهانات على إمكانية تمديد وقف إطلاق النار بين الجانبين لمدة 60 يومًا، إلى جانب إعادة فتح محتمل لمضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتدفقات النفط والغاز عالميًا. مثل هذا السيناريو، في حال تحققه، قد يؤدي إلى تخفيف كبير في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت أسعار الخام سابقًا.
ومع ذلك، لا تزال هذه التطورات مرهونة بموافقة سياسية نهائية من الجانب الأمريكي، وسط تضارب في التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض خلال الفترة الأخيرة.
الضغوط الجيوسياسية والتقلبات السعرية
على الرغم من التوجه الهابط العام خلال مايو، إلا أن سوق النفط لم يخلُ من تقلبات حادة، خاصة بعد الضربات الأمريكية الأخيرة على بعض الأهداف داخل إيران، والتي وصفت بأنها “دفاعية”، وهو ما أعاد مؤقتًا المخاوف من عودة التصعيد إلى الواجهة.
هذا التداخل بين المسار الدبلوماسي من جهة، والتوترات العسكرية من جهة أخرى، أبقى أسعار النفط في حالة عدم استقرار واضحة، مع تذبذب في توقعات المستثمرين بشأن الاتجاه القادم للسوق.
التحليل الفنى لسعر النفط:
من وجهة نظري، بدأت الصورة الفنية للنفط تميل بشكل متزايد لصالح البائعين بعد التطورات الأخيرة على الرسم البياني اليومي، خاصة مع نجاح الأسعار في كسر منطقة دعم محورية كانت تمثل خط الدفاع الرئيسي للمشترين خلال الأشهر الماضية.
ويبدو أن سعر خام غرب تكساس الوسيط قد أكمل بالفعل تشكيل نموذج الرأس والكتفين، وهو أحد أبرز نماذج الانعكاس الفني التي تسبق عادةً تحولات مهمة في الاتجاه.
وقد تشكل الكتف الأيسر خلال شهر مارس، فيما سجلت الأسعار قمة الرأس بالقرب من مستوى 108 دولارا للبرميل خلال أبريل، قبل أن يكتمل الكتف الأيمن خلال مايو، لينتهي النموذج بكسر واضح لمستوى خط العنق حول 90.00 دولارًا للبرميل.
هذا الكسر لا يعني بالضرورة أن الأسعار ستتجه مباشرة نحو أهداف هبوطية بعيدة، لكنه يرسل إشارة فنية مهمة بأن الزخم الصاعد الذي سيطر على السوق خلال الفترة الماضية بدأ يفقد قوته تدريجيًا.
السيناريو الأساسي (الأكثر ترجيحًا)
أرى أن السيناريو الأكثر احتمالًا خلال الفترة المقبلة يتمثل في استمرار الضغوط البيعية طالما استقرت الأسعار دون مستوى 90.00 دولارًا للبرميل. وفي هذه الحالة قد نشهد محاولة لاختبار منطقة 85.00 دولارًا أولًا، ثم 80.00 دولارًا، قبل أن تتجه الأنظار نحو الهدف الفني الكامل للنموذج بالقرب من 72.00 دولارًا للبرميل.
ويحظى هذا السيناريو بدعم من استمرار تراجع مؤشرات الزخم، إلى جانب تزايد الرهانات على تحسن أوضاع الإمدادات العالمية إذا استمرت الجهود الدبلوماسية المتعلقة بالملف الإيراني.
السيناريو الإيجابي (الأقل احتمالًا)
في المقابل، لا يمكن استبعاد عودة المشترين إلى السوق، خاصة إذا نجحت الأسعار في التماسك أعلى المستويات الحالية وبدأت المؤشرات الفنية في إرسال إشارات تعافٍ جديدة.
وفي حال تمكن النفط من استعادة مستوى 90.00 دولارًا والإغلاق اليومي فوقه، فقد نشهد موجة ارتداد تستهدف 95.00 دولارًا ثم 100.00 دولار للبرميل، وهو ما قد يؤجل سيناريو الهبوط الأعمق ويعيد التوازن إلى حركة الأسعار على المدى المتوسط.
ماذا تقول المؤشرات الفنية؟
لا يزال المتوسط المتحرك البسيط لـ100 يوم أعلى المتوسط المتحرك لـ200 يوم، وهو ما يعكس أن الاتجاه الصاعد طويل الأجل لم ينكسر بشكل كامل حتى الآن. ومع ذلك، فإن تضييق الفجوة بين المتوسطين يشير إلى تراجع تدريجي في قوة المشترين، الأمر الذي يستوجب مراقبته عن كثب خلال الجلسات المقبلة.
أما مؤشر القوة النسبية (RSI)، فيتحرك بالقرب من مناطق التشبع البيعي دون أن يصل إليها بشكل كامل، ما يعكس استمرار هيمنة البائعين على المدى القصير. كما يقترب مؤشر ستوكاستيك من مستويات متدنية تاريخيًا، وهو ما قد يسمح بحدوث ارتدادات فنية مؤقتة قبل استئناف الاتجاه الرئيسي.
الخلاصة:
بشكل عام، يعكس أداء سوق النفط خلال مايو حالة إعادة تسعير واسعة النطاق في السوق، حيث تتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية تدريجيًا لصالح توقعات بزيادة المعروض المحتمل في حال نجاح المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.
ومع ذلك، لا يزال المسار المستقبلي للأسعار مرهونًا بمدى استقرار التفاهمات السياسية، واحتمالات تعثرها، وهو ما يجعل سوق النفط عرضة لموجات تقلب قوية خلال الفترة المقبلة، بين سيناريوهات الهبوط المرتبط بانفراج الإمدادات، أو عودة الصعود في حال تجدد التوترات في الشرق الأوسط.