تتزايد الضغوط على الأسواق العالمية مع دخول التوترات بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر تعقيدًا، في وقت بدأ فيه المستثمرون إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية وسط مخاوف من استمرار الأزمة لفترة أطول، وهو ما منح الدولار الأمريكي والنفط دفعة قوية خلال تعاملات الثلاثاء.
هذا التصعيد أعاد إلى الواجهة سيناريوهات أكثر تشاؤمًا بشأن مستقبل الإمدادات العالمية للطاقة، خاصة مع تنامي المخاوف من بقاء مضيق هرمز خارج الخدمة لفترة ممتدة، الأمر الذي قد يفرض موجة جديدة من الضغوط التضخمية العالمية ويزيد من جاذبية الدولار كملاذ آمن.
تصاعد التوترات يعيد رسم خريطة المخاطر
جاءت التحركات الأخيرة بعد تقارير أشارت إلى رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحدث المقترحات الإيرانية، ما عزز الاعتقاد بأن الأزمة تتجه نحو حالة جمود طويلة الأمد تشبه “الحرب الباردة”، دون اتفاق واضح أو حسم عسكري مباشر.
هذا السيناريو يزيد من احتمالات بقاء القوات الأمريكية في المنطقة لفترة أطول، ويضع الاقتصاد العالمي أمام مخاطر ممتدة، في مقدمتها استمرار اضطرابات الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن، وهو ما ينعكس مباشرة على معنويات المستثمرين وحركة العملات والسلع.
ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع قد يمثل أحد أسوأ السيناريوهات للأسواق العالمية، لأن بقاء التوترات دون انفراجة سياسية يعني استمرار حالة عدم اليقين، وارتفاع احتمالات تقلبات حادة في أسعار الطاقة والعملات الرئيسية.
النفط يقفز مع مخاوف الإمدادات
أسعار النفط كانت أول المتأثرين بهذا المشهد، إذ ارتفع خام برنت إلى مستويات تجاوزت 104 دولارات للبرميل، مدفوعًا بتزايد القلق من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط العالمية.
كما رفعت المؤسسات المالية العالمية توقعاتها لأسعار النفط خلال الربع الثاني، وسط ترجيحات باستمرار اضطرابات المعروض حتى نهاية يونيو، ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى إذا بقيت الأزمة دون حلول دبلوماسية واضحة.
هذا الارتفاع في أسعار النفط لا يعكس فقط مخاطر العرض، بل يعكس أيضًا انتقال المستثمرين إلى تسعير سيناريوهات أكثر تشددًا بشأن التضخم العالمي، وهو ما يضيف ضغوطًا جديدة على البنوك المركزية الكبرى.
الدولار يستفيد من بيئة العزوف عن المخاطرة
في المقابل، استفاد الدولار الأمريكي من هذه الأجواء المضطربة، مع توجه المستثمرين إلى الأصول الآمنة في ظل ارتفاع حالة عدم اليقين الجيوسياسي. وقد انعكس ذلك على أداء العملات الرئيسية، حيث تراجع الجنيه الإسترليني أمام الدولار، بينما استعاد مؤشر الدولار الأمريكي جزءًا من زخمه الصاعد بعد فترة من الضعف النسبي.
ويشير محللون إلى أن استمرار التوترات الحالية قد يدعم الدولار على المدى القصير، خاصة إذا ترافق ذلك مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع شهية المخاطرة في الأسواق العالمية.
الفيدرالي قد يمنح الدولار دعمًا إضافيًا
إلى جانب التوترات الجيوسياسية، يترقب المستثمرون قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، وسط توقعات بالإبقاء عليها دون تغيير. لكن الأهم من القرار نفسه هو لهجة البنك المركزي الأمريكي بشأن مسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، إذ قد يؤدي استمرار الحذر بشأن خفض الفائدة إلى تقديم دعم إضافي للدولار، خصوصًا إذا أظهرت البيانات الاقتصادية استمرار متانة الاقتصاد الأمريكي وارتفاع الضغوط التضخمية.
وتشير التقديرات إلى أن بيانات النمو والتضخم الأمريكية المرتقبة قد تؤكد استمرار قوة الاقتصاد، ما يدفع الفيدرالي إلى تبني نهج أكثر تحفظًا تجاه أي تخفيضات مستقبلية في أسعار الفائدة، وهو ما يعزز من قوة الدولار أمام العملات المنافسة.
ترقب واسع لموقف جيروم باول
الأسواق تترقب أيضًا تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، ليس فقط بشأن الفائدة، ولكن أيضًا بشأن مستقبله داخل البنك المركزي بعد انتهاء ولايته الحالية. ,أي إشارات تتعلق باستمرار باول أو بتوجهات القيادة المقبلة للفيدرالي قد يكون لها تأثير مباشر على توقعات السياسة النقدية، وبالتالي على تحركات الدولار والسندات والأسهم.
وفي ظل هذه البيئة المليئة بالمخاطر، يبدو أن الدولار يستعيد مكانته كأحد أهم الملاذات الآمنة، مدعومًا بتصاعد التوترات الجيوسياسية وغياب اليقين بشأن مستقبل الفائدة الأمريكية.
نظرة الأسواق: الدولار أمام فرصة لاستعادة الزخم
إذا استمر التصعيد السياسي في الشرق الأوسط، بالتزامن مع لهجة متشددة من الاحتياطي الفيدرالي، فقد يفتح ذلك الباب أمام موجة صعود جديدة للدولار خلال الفترة المقبلة.
فاجتماع عاملين رئيسيين — التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الفائدة لفترة أطول — يمنح العملة الأمريكية بيئة مثالية لاستعادة الزخم، بينما تبقى الأسواق العالمية تحت ضغط ترقب أي تطور سياسي أو اقتصادي جديد.