أعادت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) خفض توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط الخام للشهر الثالث على التوالي، في خطوة تعكس تحولًا واضحًا في موازين سوق الطاقة، حيث لم تعد المخاوف الرئيسية تتمثل في نقص الإمدادات، بل في قدرة السوق على استيعاب الكميات الإضافية التي تعود تدريجيًا إلى التداول.
وجاءت المراجعة الجديدة بالتزامن مع استمرار تعافي صادرات النفط من منطقة الخليج واستئناف حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى تراجع المخاوف المرتبطة بالإمدادات وعودة اهتمام المستثمرين إلى مؤشرات الطلب العالمي.
أوبك تقلص توقعات نمو الطلب في 2026
في تقريرها الشهري الصادر الاثنين، خفضت أوبك توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط خلال عام 2026 إلى 780 ألف برميل يوميًا، بانخفاض قدره 190 ألف برميل يوميًا مقارنة بتقديرات الشهر الماضي. ورغم هذا الخفض، لا تزال المنظمة أكثر تفاؤلًا من العديد من المؤسسات الدولية، وعلى رأسها وكالة الطاقة الدولية، إذ تتوقع نموًا أقوى لاستهلاك النفط على المدى المتوسط.
وفي المقابل، رفعت أوبك تقديراتها لنمو الطلب خلال عام 2027 بمقدار 210 آلاف برميل يوميًا، لتصل إلى 1.94 مليون برميل يوميًا، في إشارة إلى ثقتها بأن الاستهلاك العالمي سيستعيد زخمه مع تحسن النشاط الاقتصادي.
السوق ينتقل من أزمة الإمدادات إلى تحدي الطلب
تعكس المراجعة الأخيرة تحولًا لافتًا في طبيعة السوق، فبعد أشهر من القلق بشأن تعطل الإمدادات نتيجة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، أصبح التركيز الآن منصبًا على قدرة السوق على استيعاب الإنتاج المتزايد. وخلال يونيو، ارتفع إنتاج تحالف أوبك+ بنحو 3 ملايين برميل يوميًا مقارنة بالشهر السابق، ليصل متوسط الإنتاج إلى 36.28 مليون برميل يوميًا، مدفوعًا بعودة صادرات دول الخليج بعد تحسن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
ويشير التقرير إلى أن هذه الزيادة لم تكن ناتجة عن توسع في الطاقة الإنتاجية، بل جاءت نتيجة إعادة تصدير كميات كبيرة من النفط كانت عالقة على متن الناقلات خلال فترة اضطراب الملاحة، ما ساهم في تخفيف الاختناقات اللوجستية التي أثرت في الصادرات.
الإمدادات تتعافى بوتيرة أسرع من الاستهلاك
في الوقت الذي تستعيد فيه الإمدادات العالمية زخمها، يبدو أن الطلب لا يواكب الوتيرة نفسها، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة السوق على امتصاص الإنتاج الإضافي خلال الأشهر المقبلة. وتواصل الولايات المتحدة ضخ ما يقارب 14 مليون برميل يوميًا، بينما سجلت الإمارات إنتاجًا قياسيًا بلغ 4.1 مليون برميل يوميًا خلال يونيو، مدعومًا بارتفاع الصادرات عبر ميناء الفجيرة.
كما تواصل كل من السعودية والكويت والعراق وإيران زيادة إنتاجها تدريجيًا مع تحسن أوضاع الشحن، وهو ما يضيف مزيدًا من الإمدادات إلى سوق تشهد في الوقت نفسه مراجعات متتالية لتوقعات الطلب.
عموما ورغم خفض توقعات الطلب، ترى أوبك أن هناك عوامل قد تدعم السوق خلال النصف الثاني من العام، خاصة إذا استمرت حدة التوترات الجيوسياسية في التراجع وتحسنت حركة التجارة العالمية واستقرت أسواق الطاقة. إلا أن المنظمة تؤكد في الوقت ذاته أن المخاطر لا تزال حاضرة، إذ لم تعد حركة الشحن عبر مضيق هرمز بالكامل إلى مستويات ما قبل الأزمة، كما لا تزال تكاليف التأمين البحري مرتفعة، في حين يبقى خطر استهداف البنية التحتية للطاقة قائمًا مع استمرار التوترات العسكرية في المنطقة.
هل يواجه النفط مرحلة جديدة من الضغوط؟
تشير التطورات الأخيرة إلى أن سوق النفط تدخل مرحلة مختلفة، فبعد أن كان التحدي الرئيسي يتمثل في نقص الإمدادات، أصبح الاهتمام يتركز على مدى قدرة الطلب العالمي على استيعاب الكميات المتزايدة من الخام.
ومع استمرار تعافي الإنتاج بوتيرة أسرع من نمو الاستهلاك، قد تواجه الأسعار ضغوطًا إضافية خلال الفترة المقبلة، ما لم يشهد الطلب العالمي تحسنًا يفوق التوقعات أو تعود الاضطرابات الجيوسياسية للتأثير مجددًا في تدفقات الإمدادات.