أسواق الأسهم العربية على أعتاب النصف الثاني من عام 2026، وسط بيئة استثمارية تتسم بارتفاع درجة الحذر، نتيجة استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية وتقلبات أسواق الطاقة والسلع؛ إلا أن المشهد داخل الأسواق العربية الثلاث الكبرى: مصر والسعودية والمغرب، يكشف عن اختلاف واضح في مراكز القوة والفرص الاستثمارية.
فعلى الرغم من أن المستثمرين ينظرون إلى هذه الأسواق كونها جزءًا من المشهد الإقليمي ذاته، إلا آن المحركات الأساسية لكل سوق تختلف بصورة جوهرية، سواء من حيث طبيعة الشركات القيادية، أو مصادر السيولة أو ارتباطها بالدورة الاقتصادية العالمية.
السوق المصرية: زخم قوي رغم موجات جني الأرباح
ما تزال البورصة المصرية من أكثر الأسواق العربية تحقيقًا للمكاسب خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، رغم دخولها خلال الأسابيع الأخيرة في مرحلة تصحيح طبيعية، بعد تسجيل قمم تاريخية.
مؤشر EGX30يتحرك بالقرب من مستوى 52 ألف نقطة، بعدما سجل أعلى مستوى تاريخي له فوق 54 ألف نقطة خلال مايو الماضي، ما يعكس استمرار القوة النسبية للسوق مقارنة بمعظم الأسواق الناشئة في المنطقة.
على الصعيد الفني، يتحرك المؤشر داخل نطاق دعم رئيسي بين 51,500 و52,000 نقطة، بينما تبرز منطقة 54,000 نقطة، كمقاومة استراتيجية يحتاج السوق إلى اختراقها لاستئناف الاتجاه الصاعد طويل الأجل. تبقى الأسهم القيادية المحرك الرئيسي للسوق:
• البنك التجاري الدولي (CIB) عند نحو 132.5 جنيهًا.
• مجموعة طلعت مصطفى ضمن أكبر المكونات العقارية في السوق.
• أبو قير للأسمدة.
• إي إف جي القابضة.
• السويدي إليكتريك.
كما ويستحوذ سهم البنك التجاري الدولي على اهتمام المؤسسات الاستثمارية باعتباره أكبر بنك قطاع خاص مدرج في مصر، بقيمة سوقية تتجاوز 447 مليار جنيه، بينما يتداول عند مضاعف ربحية يقل عن كثير من البنوك الإقليمية، ما يجعله أحد أهم الأسهم الدفاعية في السوق المصرية.
ومن الناحية الفنية، لا يزال الاتجاه العام للسوق المصرية صاعدًا على المدى المتوسط، إلا أن استمرار الصعود يتطلب عودة السيولة المؤسسية ونجاح المؤشر في الاستقرار فوق قمته السابقة.
السوق السعودية: توازن بين النفط والبنوك
تظل السوق المالية السعودية الأكبر عربيًا من حيث القيمة السوقية والسيولة، كما أنها الأكثر ارتباطًا بحركة أسعار النفط والإنفاق الحكومي. ورغم الضغوط الناتجة عن التقلبات الجيوسياسية في أسواق الطاقة، إلا آن الأسهم القيادية السعودية، ما زالت تحافظ على تماسكها النسبي بفضل قوة المراكز المالية للشركات الكبرى. تتصدر المشهد الاستثماري السعودي مجموعة من الأسهم الثقيلة، منها:
• أرامكو السعودية.
• مصرف الراجحي.
• البنك الأهلي السعودي.
• STC
• سابك
ويتداول سهم أرامكو قرب مستوى 28 ريالًا تقريبًا، بينما يتحرك مصرف الراجحي قرب منطقة 67 ريالًا، في حين تستقر STC بالقرب من 44 ريالًا للسهم.
وعلى الصعيد الفني، يتحرك مؤشر السوق السعودية في مرحلة عرضية بين 10,800 و11,300 نقطة تقريبًا، وهو ما يعكس حالة ترقب واضحة لدى المستثمرين.
هذا النطاق، يشير إلى أن السوق تنتظر محفزًا جديدًا، سواء من أسعار النفط أو من نتائج الشركات القيادية خلال الربع القادم. كما وتبقى البنوك السعودية عنصر القوة الأهم في السوق، مدعومة بارتفاع الربحية واستمرار النشاط الائتماني، بينما توفر أرامكو عنصر الاستقرار عبر توزيعات الأرباح المرتفعة مقارنة بالعديد من الأسواق العالمية.
السوق المغربية: الاستقرار عنوان المرحلة
على الجانب الآخر، تبدو بورصة الدار البيضاء الأكثر هدوءً بين الأسواق الثلاثة، لكنها في الوقت نفسه من أكثرها استقرارًا. ويستند هذا الاستقرار إلى الوزن الكبير للقطاع المصرفي داخل السوق، وفي مقدمته:
• التجاري وفا بنك.
• البنك الشعبي المركزي.
• اتصالات المغرب.
• مناجم.
• لافارج هولسيم المغرب.
ويُعد التجاري وفا بنك أكبر مؤسسة مصرفية مدرجة في المغرب ومنطقة المغرب العربي، بينما تواصل اتصالات المغرب الاحتفاظ بجاذبيتها لدى المستثمرين الباحثين عن التوزيعات النقدية المنتظمة.
على الصعيد الفني، يتحرك السوق المغربي في اتجاه صاعد أكثر هدوءً مقارنة بالسوق المصرية، مع تقلبات أقل وسيولة أكثر استقرارًا، وهو ما يجعله وجهة مفضلة للمستثمرين ذوي الطابع المحافظ.
مقارنة فنية بين الأسواق الثلاثة
إذا جرى تقييم الأسواق الثلاثة وفق معايير الاتجاه الفني والسيولة والفرص الاستثمارية، فإن الصورة الحالية تبدو على النحو التالي:
• مصر: الأعلى زخمًا والأكثر قدرة على تحقيق مكاسب كبيرة، لكنها أيضًا الأعلى تقلبًا.
• السعودية: الأكبر حجمًا والأكثر تأثيرًا إقليميًا، وتتمتع بأساسيات قوية مدعومة بالطاقة والبنوك.
• المغرب: الأكثر استقرارًا والأقل مخاطرة نسبيًا، مع هيمنة واضحة للقطاع المصرفي.
وبالنظر إلى المشهد الكلي، فإن المستثمر الباحث عن النمو قد يجد فرصًا أكبر داخل السوق المصرية، بينما يميل المستثمر المحافظ إلى الأسهم المغربية، في حين تبقى السوق السعودية الخيار الأكثر توازنًا بين النمو والاستقرار والسيولة.
النظرة المستقبلية
خلال النصف الثاني من 2026، ستظل ثلاثة عوامل رئيسية تتحكم في اتجاه الأسواق العربية، منها:
أولًا، تطورات أسعار النفط العالمية وتأثيرها على السيولة الخليجية.
ثانيًا، نتائج الشركات القيادية، خصوصًا البنوك في مصر والسعودية والمغرب.
ثالثًا، حركة رؤوس الأموال الأجنبية في الأسواق الناشئة.
وعلى الرغم من اختلاف الظروف بين القاهرة والرياض والدار البيضاء، فإن القاسم المشترك بينها يبقى قوة الشركات القيادية، التي لا تزال تشكل العمود الفقري للأسواق الثلاثة، وتحدد إلى حد كبير اتجاه المستثمرين خلال المرحلة المقبلة.