توقعت شركة تي إس لومبارد أن يشهد الدولار الأمريكي موجة صعود قوية خلال الفترة المقبلة، في ظل احتمال أن يتبنى الاحتياطي الفيدرالي دورة تشديد نقدي أوسع بكثير مما تتوقعه الأسواق حاليًا، مؤكدة أن المستثمرين يستهينون بحجم التحولات المرتقبة في السياسة النقدية الأمريكية.
وترى الشركة أن الأسواق لا تزال تُسعر سيناريو يتضمن رفعًا واحدًا فقط لأسعار الفائدة قبل استئناف دورة خفض الفائدة، بينما تشير تقديراتها إلى أن الاحتياطي الفيدرالي قد يكون في بداية دورة تشديد كاملة تمتد لعدة اجتماعات.
تحول إيجابي في النظرة إلى الدولار الأمريكي
غيرت تي إس لومبارد موقفها تجاه العملة الأمريكية لتصبح أكثر تفاؤلًا، بعدما أظهرت تقييماتها أن سوق العمل الأمريكي تجاوز مرحلة التباطؤ، وهو ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى اتباع سياسة نقدية أكثر تشددًا خلال الفترة المقبلة.
وقال دانيال فون أهلين، المحلل لدى تي إس لومبارد: “انتقلنا إلى موقف إيجابي تجاه الدولار، إذ يبدو أن سوق العمل الأمريكي وصل إلى نقطة تحول مهمة.”
ويخالف هذا التقييم توقعات الأسواق الحالية، التي تراهن على زيادة تصحيحية واحدة فقط في أسعار الفائدة قبل العودة إلى مسار الخفض، في حين ترى الشركة أن دورة التشديد لم تبدأ فعليًا بعد.
خمس زيادات متوقعة في أسعار الفائدة
وبحسب توقعات تي إس لومبارد، فإن أول رفع لأسعار الفائدة قد يأتي خلال شهر سبتمبر، يعقبه أربع زيادات إضافية خلال العام المقبل، ليصل إجمالي الزيادات المتوقعة إلى خمس مرات. وتستند هذه الرؤية إلى استمرار تحسن أوضاع سوق العمل الأمريكي، إلى جانب بقاء معدلات التضخم الأساسية عند مستويات مرتفعة، خاصة في قطاع الخدمات باستثناء الإسكان.
وأوضح فون أهلين أن استمرار قوة سوق العمل واستقرار التضخم الأساسي في قطاع الخدمات خارج الإسكان يعززان احتمالات استمرار الاحتياطي الفيدرالي في تشديد السياسة النقدية، مضيفًا أن هذه المعطيات لا تمنح لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية الثقة الكافية بأن التضخم يسير بثبات نحو المستوى المستهدف.
الدولار قد يكون أكبر المستفيد
وترى الشركة أن أي تحول نحو دورة تشديد نقدي كاملة ستكون له انعكاسات قوية على أداء الدولار الأمريكي، مشيرة إلى أنها قامت بتعديل مراكزها الاستثمارية لمراعاة احتمالات ارتفاع العملة الأمريكية، إلى جانب توقعات ضعف النمو الاقتصادي العالمي.
وأكدت أن ارتفاع أسعار الفائدة سيؤدي إلى زيادة جاذبية الدولار من خلال رفع عوائد الأصول المقومة بالعملة الأمريكية، وهو ما قد يدعم الطلب عليها خلال الفترة المقبلة.
الأسواق لا تزال تقلل من حجم المخاطر
ورغم هذه المؤشرات، ترى تي إس لومبارد أن أسواق الصرف لا تزال بعيدة عن تسعير هذا السيناريو، إذ يواصل المستثمرون المراهنة على أن الاحتياطي الفيدرالي سيعود سريعًا إلى خفض أسعار الفائدة بعد فترة قصيرة من “إعادة المعايرة”.
وتعتقد الشركة أن هذا التصور يستند إلى قناعة لدى الأسواق بأن تباطؤ نمو الأجور، وتراجع التضخم، إضافة إلى التأثيرات الانكماشية طويلة الأجل للذكاء الاصطناعي، ستمنع استمرار دورة التشديد النقدي. إلا أن فون أهلين حذر من أن هذا الرهان قد يكون خاطئًا، موضحًا أنه في حال استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي، فقد ترتفع عوائد السندات بوتيرة ملحوظة، وهو ما قد ينعكس أيضًا على زيادة تقلبات أسواق الأسهم.
وأضاف أن هذا السيناريو سيدعم الدولار الأمريكي عبر مسارين في آن واحد، يتمثلان في ارتفاع العوائد واتجاه المستثمرين نحو الأصول الأكثر أمانًا في ظل تزايد حالة الحذر داخل الأسواق المالية.
البيانات الاقتصادية ستحدد الاتجاه
وأشارت تي إس لومبارد كذلك إلى أن تخلي الاحتياطي الفيدرالي عن نهج التوجيهات المستقبلية الواضحة جعل الأسواق أكثر اعتمادًا على البيانات الاقتصادية في تقييم مسار السياسة النقدية، وهو ما يزيد من احتمالات التقلبات مع صدور كل تقرير اقتصادي جديد.
وفي ختام تقييمها، أكدت الشركة أن المستثمرين لم يستوعبوا بعد التأثير الكامل لتحسن سوق العمل الأمريكي، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة تسعير واسعة لتوقعات أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
واختتم دانيال فون أهلين تصريحاته بالتأكيد على أن مخاطر استمرار ارتفاع الدولار الأمريكي آخذة في التزايد، مشيرًا إلى أنه إذا تحقق هذا السيناريو، فقد تشهد أسواق العملات أكبر موجة إعادة تسعير، في وقت لا تزال فيه الأسواق تتوقع رفعًا واحدًا فقط للفائدة، بينما قد يكون الاحتياطي الفيدرالي على أعتاب دورة تشديد نقدي كاملة.