سجل الجنيه الإسترليني مكاسب ملحوظة أمام الدولار الأمريكي خلال تداولات الأسبوع الماضي، مستفيدًا من انحسار المخاوف المرتبطة بالمشهد السياسي البريطاني، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تراجع عوائد السندات الحكومية ودعم ثقة المستثمرين بالأصول المقومة بالإسترليني، رغم استمرار الضغوط الناتجة عن ضعف البيانات الاقتصادية في المملكة المتحدة.
وخلال تداولات نهاية الأسبوع، عبر افضل منصات التداول استقر زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي (GBP/USD) قرب مستوى 1.3424، محققًا ارتفاعًا أسبوعيًا يقارب 0.8%.
وشهدت العملة البريطانية حالة من التماسك النسبي بعد تحسن شهية المستثمرين تجاه الأسواق البريطانية، خاصة مع تراجع القلق المرتبط بالاستقرار السياسي عقب التوترات التي سيطرت على المشهد الداخلي في وقت سابق من الشهر الجاري.
كما ساهم انخفاض عوائد السندات البريطانية طويلة الأجل، التي كانت قد سجلت مستويات مرتفعة تاريخيًا، في تعزيز جاذبية الجنيه الإسترليني، بعدما هدأت المخاوف من احتمالات تصاعد الضغوط على حكومة رئيس الوزراء البريطانى.
وجاءت تصريحات أندي بورنهام لتمنح الأسواق مزيدًا من الثقة، بعد تأكيده دعمه لاستمرار الالتزام بالقواعد المالية الحالية، خصوصًا مع تزايد التكهنات بشأن دوره المحتمل داخل حزب العمال خلال الفترة المقبلة.
هذا التحسن في سوق السندات ساعد على عودة جزء من التدفقات الاستثمارية إلى الأصول البريطانية، إلا أن المكاسب التي حققها الإسترليني بقيت محدودة بفعل سلسلة من المؤشرات الاقتصادية السلبية.
فقد أظهرت بيانات سوق العمل ارتفاع معدل البطالة بصورة غير متوقعة، إلى جانب تباطؤ التضخم بوتيرة تجاوزت تقديرات الأسواق، بينما أشارت استطلاعات الأعمال إلى تراجع واضح في النشاط الاقتصادي داخل المملكة المتحدة.
وجاءت الضغوط الأكبر عقب صدور بيانات مؤشر مديري المشتريات، التي كشفت عن انكماش قطاع الخدمات البريطاني للمرة الأولى منذ أكثر من عام، في إشارة إلى تراجع الزخم الاقتصادي بشكل ملحوظ. كما زادت بيانات مبيعات التجزئة الضعيفة من المخاوف المرتبطة بتراجع إنفاق المستهلكين، وسط استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضبابية الاقتصادية.
ورغم ذلك، ظل الجنيه الإسترليني محتفظًا بجزء كبير من مكاسبه أمام الدولار، مدعومًا بتحسن الاستقرار السياسي وتراجع الضغوط في سوق السندات.
على الجانب الآخر، تحرك الدولار الأمريكي في نطاق متقلب خلال الأسبوع، مع استمرار متابعة المستثمرين للتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إلى جانب تغير توقعات السياسة النقدية الأمريكية.
واستفاد الدولار في بداية الأسبوع من ارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة، بعد تصاعد المخاوف من احتمال انخراط الولايات المتحدة في تحركات عسكرية ضد إيران.
لكن تحسن الأجواء الدبلوماسية وظهور مؤشرات على تقدم المفاوضات ساعدا لاحقًا في تهدئة الأسواق وتقليص الطلب على الدولار كملاذ دفاعي.
كما تلقى الدولار دعمًا إضافيًا بعد صدور محضر اجتماع بنك الاحتياطى الفيدرالى الامريكى، والذي حمل نبرة أكثر تشددًا مقارنة بتوقعات الأسواق، ما عزز الرهانات على استمرار الفائدة الأمريكية المرتفعة لفترة أطول بسبب المخاوف المستمرة من التضخم. إلا أن تحسن شهية المخاطرة في نهاية الأسبوع حدّ من قدرة الدولار على مواصلة الصعود، مع تراجع الإقبال على الأصول الآمنة.
ما الذي ينتظر زوج الإسترليني/الدولار خلال الفترة المقبلة؟
تتجه أنظار الأسواق خلال الأيام المقبلة نحو بيانات التضخم الأمريكية، وخاصة مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يُعد المقياس المفضل لدى الاحتياطى الفيدرالى لتقييم ضغوط الأسعار. وقد تؤدي قراءة تضخم أقوى من المتوقع إلى تعزيز توقعات الإبقاء على أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول، ما قد يمنح الدولار مزيدًا من الدعم.
في المقابل، فإن أي تباطؤ واضح في التضخم قد يعزز رهانات خفض الفائدة الأمريكية مستقبلًا، وهو ما قد يضغط على أداء الدولار ويفتح المجال أمام استمرار تعافي الجنيه الإسترليني.
أما داخل المملكة المتحدة، فمن المتوقع أن يظل التركيز منصبًا على التطورات السياسية وتحركات عوائد السندات الحكومية، بالإضافة إلى أي إشارات جديدة تتعلق بمسار سياسة بنك انجلترا النقدية. ويرى مراقبون أن استمرار هدوء سوق السندات البريطانية قد يوفر دعمًا مهمًا للجنيه الإسترليني، حتى مع استمرار التباطؤ الاقتصادي في البلاد.