يُعرف النحاس على نطاق واسع بلقب «مؤشر الاقتصاد»، نظرًا لقدرته الفريدة على عكس حالة النشاط الاقتصادي العالمي. ويُعد هذا المعدن عنصرًا أساسيًا في العديد من القطاعات الاقتصادية الحيوية، مثل الأسلاك الكهربائية، وشبكات السباكة، وصناعة الإلكترونيات، والمركبات الكهربائية، ما يجعله سلعة محورية للنمو الصناعي.

وتُعد الصين والولايات المتحدة الامريكية وأوروبا من أكبر مستهلكي النحاس عالميًا، حيث تقود الصين الطلب في كثير من الأحيان بفضل مشاريعها الضخمة في البنية التحتية وقاعدتها الصناعية الواسعة. وبسبب استخدام النحاس في طيف واسع من الصناعات، فإن تحركات أسعاره غالبًا ما تعكس اتجاهات النمو الاقتصادي، سواء صعودًا أو هبوطًا.
وعلى الرغم من المخاوف المرتبطة بتباطؤ الاقتصاد الصيني وضغوط التضخم العالمية، فقد أظهرت أسعار النحاس مرونة ملحوظة، بل وقوة واضحة، منذ أغسطس 2025. ويعكس هذا الأداء المتماسك تعقيد العوامل المؤثرة في السوق؛ فمن ناحية، حدّت المؤشرات الاقتصادية السلبية نسبيًا في الصين، إلى جانب السياسات النقدية التقييدية عالميًا، من زخم الارتفاع. ومن ناحية أخرى، فقد ساهمت اضطرابات الإمداد المستمرة في مناطق التعدين الرئيسية، إلى جانب التوقعات بزيادة الطلب الصناعي على المدى الطويل – خصوصًا المرتبط بالبنية التحتية للطاقة النظيفة- في توفير دعم قوي للأسعار.
كما يبدو أن المستثمرين يستبقون مراحل تعافٍ اقتصادي محتملة أو تحولات هيكلية في الطلب، وهو ما أبقى السوق في اتجاه صعودي نسبيًا، رغم التحديات الاقتصادية الكلية قصيرة الأجل.
ما الذي حدث في السوق؟
شهدت أسعار النحاس تقلبات حادة خلال عام 2025، حيث بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق في 7 يوليو 2025. وجاء هذا الارتفاع مدفوعًا بإعلان الولايات المتحدة الامريكية فرض تعريفة جمركية بنسبة 50% على بعض واردات النحاس، ما أدى إلى موجة شراء وتخزين بدافع القلق بين المستهلكين الأمريكيين قبل تطبيق التعريفة.
وكانت قد ساهمت اضطرابات الإمداد في المناجم الرئيسية، إلى جانب الطلب القوي من قطاعات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، في تعزيز الضغوط الصعودية. كما لعبت المضاربات دورًا إضافيًا في تسريع وتيرة الارتفاع. إلا أنه في وقت لاحق من شهر يوليو، أدت الإعفاءات الجزئية من التعريفات الجمركية وعمليات جني الأرباح إلى تراجع حاد في الأسعار.
وعقب هذه الذروة، تعرض السوق لانخفاض قوي في 30 يوليو 2025، بعد القرار المفاجئ للبيت الأبيض بإعفاء النحاس المكرر من التعريفة الجمركية البالغة 50%. وقد شكّل هذا القرار صدمة للمتداولين الذين كانوا يتوقعون فرض التعريفة على جميع واردات النحاس، ما أدى إلى انهيار الفارق السعري الكبير بين سوق الولايات المتحدة (كومكس) وسوق لندن (بورصة لندن للمعادن).
ونتيجة لذلك، سجلت العقود الآجلة للنحاس في كومكس انخفاضًا قياسيًا تجاوز 22% في يوم واحد.
أتجاه النحاس الحالي
منذ أوائل أغسطس، عاد السوق إلى الاتجاه الصعودي، حيث تمكنت أسعار النحاس من استعادة الخسائر التي تكبدتها عقب الانخفاض الحاد في 30 يوليو، مدعومةً بتحسن المعنويات واستمرار العوامل الهيكلية الداعمة للطلب على المدى المتوسط والطويل.