أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني أن الاقتصاد البريطاني سجل أداءً أقوى من المتوقع خلال الشهر السابق لتصاعد الحرب الإيرانية، في إشارة إلى متانة ملحوظة للنشاط الاقتصادي رغم التحديات العالمية المتزايدة. ووفقًا للبيانات، نما الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة بنسبة 0.5% خلال فبراير على أساس شهري، متجاوزًا بكثير توقعات الأسواق التي كانت تشير إلى نمو محدود عند 0.1% فقط، وهو أفضل أداء شهري يسجله الاقتصاد البريطاني منذ أكثر من عامين.
وأوضح بنك لويدز في تعليقه على هذه الأرقام أن هذه القراءة تمثل مفاجأة إيجابية حقيقية، خاصة في ظل التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى تباطؤ واضح في وتيرة النمو.
وجاء قطاع الخدمات، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد البريطاني، في مقدمة القطاعات الداعمة لهذا الأداء، بعدما سجل نموًا بنسبة 0.5% خلال فبراير، ما عزز من قوة التوسع الاقتصادي في بداية العام.
كما قام مكتب الإحصاءات الوطنية بمراجعة بيانات يناير بالرفع، لتُظهر نموًا بنسبة 0.1% بدلًا من استقرار دون نمو في التقديرات الأولية، وهو ما يعزز التوقعات بتحقيق الاقتصاد البريطاني نموًا يتراوح بين 0.6% و0.7% خلال الربع الأول من العام، وهي مستويات تفوق تقديرات بنك إنجلترا بشكل ملحوظ.
هذا الأداء القوي يأتي في وقت كانت الأسواق تتوقع فيه أن يقدم بنك إنجلترا على خفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل خلال عام 2026، في ظل مخاوف من تباطؤ النمو وضعف سوق العمل. إلا أن البيانات الأخيرة قد تدفع البنك المركزي إلى إعادة النظر في وتيرة التيسير النقدي.
كما أظهرت البيانات تحسنًا ملحوظًا في أنشطة التوظيف داخل قطاع الخدمات، حيث ارتفعت بنسبة 2.5% خلال فبراير بعد أن سجلت انخفاضًا بنسبة 6% في يناير، في إشارة إلى أن سوق العمل لا يزال يحتفظ بدرجة من المرونة رغم الضغوط الاقتصادية.
ويمنح هذا التحسن صانعي السياسة النقدية في بنك إنجلترا مساحة أكبر للإبقاء على أسعار الفائدة الحالية، خاصة مع تصاعد المخاطر المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط وما قد تسببه من ضغوط تضخمية جديدة. وكان محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي قد أشار في تصريحات سابقة إلى أن الوقت لا يزال مبكرًا لاتخاذ موقف نهائي بشأن تداعيات الحرب على السياسة النقدية، لافتًا إلى أن البنك يراقب عن كثب تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد.
وتزايدت المخاوف بعد أن أدى النزاع إلى اضطرابات في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ما يهدد بإرباك إمدادات النفط والغاز ويدفع الأسعار العالمية إلى الارتفاع.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على قطاع الطاقة فقط، إذ تشير تقارير إلى أن نقص بعض المواد الصناعية الحيوية، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون، قد يؤدي إلى اضطرابات في قطاعات الزراعة والضيافة داخل بريطانيا. وبحسب تقديرات حكومية، فإن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى نقص في بعض السلع الغذائية الأساسية مثل الدجاج ولحم الخنزير خلال الصيف، إذا استمرت القيود على حركة الإمدادات عبر المضيق.
ورغم هذه المخاطر، فإن الأداء الاقتصادي القوي الذي سبق الأزمة يمنح الاقتصاد البريطاني نقطة انطلاق أفضل لمواجهة التداعيات المحتملة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى المحادثات المرتقبة بين الأطراف المعنية لاحتواء الأزمة ومنع تفاقمها.