عاد الدولار الأمريكي إلى الواجهة من جديد بعد موجة من الضغوط التي تعرض لها خلال الأسابيع الماضية، مستفيدًا من تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتي أعادت الطلب على العملة الأمريكية باعتبارها أحد أبرز الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات.
وجاء هذا التحول عقب الضربات العسكرية الأمريكية الأخيرة على إيران، والتي دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع وأثارت حالة من الحذر في الأسواق العالمية، الأمر الذي وفر دعمًا إضافيًا للدولار في ظل تزايد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة وارتفاع الضغوط التضخمية.
الرسم البيانى المباشر لمؤشر الدولار الامريكى
وتعززت هذه المخاوف بعد التصريحات الحادة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أبدى خلالها تشددًا واضحًا تجاه طهران، مؤكدًا أن فرص استمرار المسار الدبلوماسي أصبحت محدودة، وهو ما زاد من توقعات استمرار التوترات خلال المرحلة المقبلة.
التوترات الجيوسياسية تضغط على العملات المنافسة
ورغم أن أسواق العملات لم تشهد موجة بيع عنيفة، فإن التحركات الأخيرة كشفت عن تراجع الزخم الصعودي للعملات الرئيسية أمام الدولار. فقد تخلى زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار عن جزء من مكاسبه بعد هبوطه من أعلى مستوياته الأخيرة، كما تراجع اليورو مقابل الدولار مع عودة المستثمرين إلى العملة الأمريكية وسط تنامي حالة عدم اليقين.
وتشير هذه التحركات إلى أن الأسواق بدأت في إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية، وهو ما انعكس سريعًا على أداء الدولار مقارنة بمعظم العملات الرئيسية.
مضيق هرمز يبقى بؤرة المخاطر
ويرى محللون أن التطورات الأخيرة لا تتعلق فقط بالضربات العسكرية، بل تعكس تعثرًا أوسع في المسار السياسي بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. وفي هذا السياق، أوضح خبراء تحليل الأسواق في XS.com، أن جوهر الأزمة يكمن في فشل المفاوضات الأخيرة في تحقيق أي تقدم بشأن آلية إدارة المضيق، وهو ما يزيد من احتمالات استمرار التوترات ويقلص فرص التوصل إلى اتفاق شامل حول الملفات الخلافية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني.
وأضافوا بأن استمرار الخلافات حول مضيق هرمز يبعث برسالة واضحة إلى الأسواق مفادها أن الطريق نحو تسوية دائمة لا يزال طويلًا، وهو ما قد يبقي المخاطر الجيوسياسية مرتفعة خلال الفترة المقبلة.
ارتفاع النفط يعزز قوة الدولار
وتاريخيًا، يستفيد الدولار الأمريكي من فترات ارتفاع أسعار النفط، خاصة مع تحول الولايات المتحدة إلى أحد أكبر منتجي ومصدري الطاقة في العالم، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الخام إلى دعم الاقتصاد الأمريكي وزيادة الإقبال على الدولار، بالتزامن مع تصاعد الطلب على الأصول الآمنة.
كما أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى، وهو ما قد يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة، ويمنح الاحتياطي الفيدرالي مبررًا للإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول، وهو سيناريو يصب في مصلحة العملة الأمريكية.
TD Securities: سوق النفط أكثر شحًا مما يعتقد المستثمرون
وفي تقرير حديث، حذرت TD Securities من أن الأسواق قد تقلل من حجم الضغوط التي تواجه سوق النفط العالمي، مؤكدة أن الحديث عن وجود فائض في المعروض لا يعكس الواقع الحالي. وأشار البنك إلى أن تقديرات العرض والطلب، إلى جانب مستويات الإنتاج في الشرق الأوسط والبيانات الخاصة بالسوق الصينية، لا تزال تشير إلى استمرار عجز في الإمدادات العالمية، حتى مع استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز.
وبناءً على هذه المعطيات، رجح البنك إمكانية ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 90 دولارًا للبرميل خلال الفترة المقبلة، مع احتمال امتداد المكاسب إلى 100 دولار للبرميل إذا استمرت المخاطر الجيوسياسية أو تفاقمت اضطرابات الإمدادات.
ماذا تعني هذه التطورات للدولار؟
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الدولار الأمريكي استعاد جزءًا مهمًا من زخمه، مدعومًا بارتفاع أسعار النفط، وتزايد الإقبال على الأصول الآمنة، وتراجع احتمالات خفض أسعار الفائدة على المدى القريب.
وبينما كانت التوقعات السابقة تشير إلى احتمال تعرض الدولار لضغوط خلال عام 2026، فإن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يغير هذه النظرة، خاصة إذا واصلت أسعار النفط ارتفاعها واستمرت الضغوط التضخمية في التأثير على قرارات السياسة النقدية الأمريكية.