اقتصاد عالمي في قلب التحولات: لماذا تعود السلع للواجهة؟
في الفترة الحالية، تشهد أسواق السلع العالمية أحد أكثر المراحل حساسية منذ سنوات، إذ تتقاطع فيها التحولات النقدية العالمية مع اتجاهات النمو الصناعي والمتغيرات الجيوسياسية، مما ينعكس على إعادة رسم خريطة التدفق الاستثماري بين المعادن الصناعية والثمينة وسلع الطاقة.
وفي ظل اقتراب الاقتصادات الكبيرة من مرحلة خفض سعر الفائدة بعد دورة طويلة التشديد، رجع السلع الأساسية لكي تتصدر المشهد كأدوات تحوط أساسية ذد التضخم وعدم اليقين الاقتصادي، ما ينعكس بشكل واضح على حركة الذهب والغاز والنحاس والنفط والفضة في تداولات نهاي الشهر الجاري لعام 2026.
الذهب يسطع من جديد: أمان المستثمرين في أوقات عدم اليقين
يتصدر الذهب قائمة هذه التحركات، إذ يواصل المعدن النفيس احتلال مكانة قوية كأصل دفاعي عالمي، بحيث يتحرك الآن قرب المستوى 5.180 دولار للأوقية، وذلك بعد موجة تاريخية من الصعود دفعته لتسجيل قمة قياسية في مطلع العام عند المستوى 5.600 دولار.
هذا الأداء يعكس التوازن بين عمليتي جني الأربي قصيرة الأجل، ومواصل الطلب الاستثمار المرتبط بتوقعات خفض الفائدة، وارتفاع مشتريات البنوك المركزية.
وعلى الصعيد الفني للذهب، ما زال الاتجاه العام للذهب صاعدًا على المدى الطويل، حيث يحافظ السعر على التداول أعلى المتوسطات الأساسية، في حين تعتبر منطقة 5.050 دولار، منقطة دعم محوري محافظة على الزخم الإيجابي. في مقابل ذلك، فإن اختراق المستوى 5.200 دولار، قد يفتح النطاق نحو 5.350 دولار خلال الربع الثاني من العام الجاري، خاصة في حال مواصلة المخاطر الجيوسياسية العالمية عند مستوياتها الحالية.
النفط تحت المجهر: ضغوط المخزونات وتأرجح الأسعار
بالحديث عن سوق النفط، فالذهب الأسود هنا يمر بمرحلة أكثر تعقيداً، حيث يتداول خام برنت قرب 69.9 دولار للبرميل، وسط ضغوط ناتجة عن ارتفاع المخزونات الأمريكية، وتزايد التوقعات بزيادة الإمدادات العالمية. الجدير بالملاحظة هنا، على الرغم من مواصلة حالة التوتر الجيوسياسي التي في العادة تدعم الأسعار، إلا أن الأسواق بدأت تسعر إمكانية عودة الإمدادات إلى السوق، يتزامن ذلك مع التراجع النسبي في الطلب العالمي.
وعلى صعيد التحليل الفني، يظهر حركة عرضية مائلة للتراجع، إذ يعد مستوى 63 دولار منطقة دعم رئيسية، في حين المنطقة 72 دولار، تعتبر حاجز فني فاصل بين الدخول في موجة صعود جديدة وبين حالة من الاستقرار. وفي ضوء ذلك، يرى عدد من الاقتصاديين أن أسعار النفط قد تتحرك ضمن نطاق متوسط بين 60 و75 دولاراً خلال 2026، ما لم تحدث صدمة إمدادات مفاجئة.
الغاز الطبيعي: هبوط مؤقت قبل تعافٍ موسمي
فيما يتعلق بسوق الغاز الطبيعي، فإن الضغوطات البيعية تستمر بسبب اعتدال درجات الحرارة وارتفاع مستويات التخزين. فالغاز الأمريكي اليوم يتداول بالقرب من المستوى 3.07 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وذلك بعد التراجع الشهر الذي تجاوز نسبة 20%. علمًا بأن هذه الحركة تعكس ضعف الطلب الموسمي على الغاز مقارنة بموسم الشتاء، ناهيك عن تحسن الإمدادات العالمية.
وبالحديث عن المستوى الفني للغاز، فحركته ما زالت بالاتجاه متوسط الأجل هابط، لطالما استمر السعر تحت المستوى 3.55 دولار، في حين يعتبر مستوى 3 دولار نقطة للدعم النفسي المهم، علمًا بأن كسرها سيؤدي لاختبار مستويات أقل قرب 2.7 دولار، قبل بدء عملية التعافِ المتوقعة، مع ارتفاع الطلب الصيفي على الطاقة.
النحاس يقود الثورة الصناعية: الطلب على المعادن الصناعية يرتفع
بالحديث عن الجانب الصناعي، يظهر النحاس كأحد الرابحين من الدورة الاقتصادية الجديدة، إذ يستقر عند المستوى 5.9 دولار للرطل مرتبطًا بالطلب العالي على قطاعات الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي والبني التحتية الكهربائية العالمية.
بالنسبة للمستثمرين، فالنحاس يعتبر مؤشرًا مبكرًا للنشاط الاقتصادي العالمي، فارتفاعه يشير إلى توقعات التوسع الصناعي طويل الأجل. أما بالحديث عن النحاس من الناحية الفنية، فالمعدن يحافظ على اتجاهه الصاعد الواضح، إضافة إلى الدعم القوي عند المستوى 5.7 دولار، في حين أن اختراق المستوى 6.3 دولار، يعتبر إشارة لانطلاق موجة صاعدة جديدة، من شأنها أن تقود الأسعار لمستويات تاريخية خلال السنوات القادمة.
الفضة: الذهب الصغير يتحول إلى بطل صناعي
تواصل الفضة التحول من مجرد معدن تابع لحركة الذهب، لتستقبل بنفسها لتصبح أصل استثماري وصناعي مزدوج التأثير، إذ تتحرك الأسعار بالقرب من النطاق 100 دولار للأوقية، بعد تحقيق مكاسب سنوية قريب من 30%. هذا الأداء، جاء مرتبطًا بزيادة الطلبات الصناعية المرتبطة بصناعة الطاقة الشمسية والرقائق الإلكترونية. علاوة على مواصلة العجز في المعروض العالمي.
وعلى صعيد التحليل الفني للفضة، يشير إلى الاتجاه الصاعد القوي لطالما استقرت الأسعار أعلى مستوى 95 دولار، في حين تعتبر المنطقة 115 دولار، هدف فني قادم في حال مواصلة الزخم الشرائي.
أسواق السلع بين التحوط والدورة الاقتصادية الجديدة
بحسب توقعات الخبراء الاقتصادي لعام 2026، قد يعتبر بداية لما يعرف بدورة الأصول الحقيقية، حيث تعود السلع لتلعب دورًا محوريًا في المحافظ الاستثمارية العالمية، وذلك بعد سنوات من هيمنة اسواق الأسهم والأصول المالية.
ففي ظل تراجع العوائد الحقيقية، وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، يتطلع المستثمرون تدريجيًا نحو الطاقة والمعادة كونها أدوات حماية ذات أجل طويل من التقلبات الاقتصادية وحالة التضخم.
السلع تتصدر المشهد الاستثماري لعام 2026
في المجمل، تكشف حركة أسواق السلع حالياً عن اقتصاد عالمي يعيش مرحلة انتقالية دقيقة؛ الذهب يعكس القلق المالي، النفط يقيس توازن الطاقة، الغاز يعبر عن ديناميكيات الطلب الموسمي، بينما يقود النحاس والفضة قصة التحول الصناعي العالمي. وبين هذه القوى المتشابكة، تبدو السلع مرشحة للبقاء في صدارة المشهد الاستثماري خلال الفترة المقبلة، مع استمرار التقلبات كالسمة الأبرز للأسواق في عام 2026.