شهدت توقعات أسعار الفائدة في المملكة المتحدة تحولًا حادًا خلال فترة زمنية قصيرة، حيث انتقلت رهانات الأسواق من توقع خفضين للفائدة إلى ترجيح تنفيذ زيادتين خلال العام الجاري. وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية فقط، تغيّرت رؤية المستثمرين بشكل جذري، فقبل تصاعد التوترات الجيوسياسية الأخيرة، كانت التوقعات تشير إلى اتجاه بنك إنجلترا نحو التيسير النقدي، إلا أن الصورة الحالية تعكس ميلًا واضحًا نحو التشديد.
هذا التحول انعكس بدوره على تحركات الأسواق، إذ ارتفعت عوائد الفائدة، إلى جانب تحسن معدلات العائد على المدخرات، كما تلقى الجنيه الإسترليني دعمًا ملحوظًا.
وجاءت هذه التغيرات عقب قرار بنك إنجلترا الصادر في مارس، والذي حمل نبرة تميل إلى التشدد مقارنة بالتوقعات السابقة. فبدلًا من خفض الفائدة كما كان مرجحًا، صوّت أعضاء لجنة السياسة النقدية بالإجماع على تثبيت الأسعار، في خطوة فاجأت الأسواق التي كانت تتوقع انقسامًا في التصويت.
وعلى صعيد التضخم، قام البنك المركزي بمراجعة توقعاته بالرفع، حيث يُنتظر أن يقترب معدل التضخم وفق مؤشر أسعار المستهلك من مستوى 3.5% خلال مارس، وهو أعلى من التقديرات السابقة. كما تم تعديل توقعات الربع الثاني لتشير إلى بقاء التضخم قرب 3% بدلًا من التراجع إلى مستويات أدنى.
في ضوء هذه المعطيات، تتضاءل فرص خفض الفائدة على المدى القريب، إذ يُرجّح أن يؤجل البنك أي خطوة في هذا الاتجاه إلى النصف الثاني من العام على الأقل.
في المقابل، تبدو الأسواق المالية أكثر تشددًا في تقديراتها، حيث تستبعد تمامًا سيناريو خفض الفائدة خلال 2026، بل وتشير إلى احتمالية لجوء البنك إلى رفعها بهدف احتواء الضغوط التضخمية ومنع انتقالها إلى الاقتصاد بشكل أوسع. ويحذر محللون من مخاطر ما يُعرف بـ”الآثار التضخمية الثانوية”، والتي قد تنشأ نتيجة استمرار توقعات التضخم المرتفعة، وهو ما قد يدفع العمال للمطالبة بزيادات في الأجور، بالتوازي مع قيام الشركات برفع الأسعار للحفاظ على هوامش أرباحها.
ورغم أن بنك إنجلترا لا يزال يميل إلى اعتبار صدمة أسعار الطاقة عاملًا مؤقتًا، إلا أنه يدرك أن ترسخ توقعات التضخم لدى الأفراد والشركات قد يؤدي إلى دورة تضخمية أكثر استدامة.
وبينما يترك البنك الباب مفتوحًا لاحتمال خفض الفائدة لاحقًا، تعكس تسعيرات السوق سيناريو مختلفًا، مع توقعات بأن تظل الضغوط التضخمية قوية خلال الأشهر المقبلة، وهو ما قد يفرض على صناع السياسة النقدية اتخاذ خطوات أكثر تشددًا مما كان متوقعًا سابقًا.