تواصل أسعار النحاس الحفاظ على تداولاتها بالقرب من مستويات قياسية، حيث يستقر المعدن الصناعي الأهم عالميًا فوق حاجز 14 ألف دولار للطن في بورصة لندن للمعادن، في ظل تنامي المخاوف بشأن محدودية الإمدادات العالمية واستمرار الطلب القوي من القطاعات المرتبطة بالتحول الطاقي والذكاء الاصطناعي.
الرسم البيانى المباشر لسعر النحاس
وعموما يبدو أن العوامل الأساسية الداعمة لاتجاه النحاس الصاعد تزداد قوة مع مرور الوقت، خاصة بعد قيام عدد من المؤسسات المالية العالمية برفع توقعاتها للأسعار خلال الأشهر المقبلة نتيجة اتساع فجوة العرض والطلب.
اضطرابات المناجم تدعم الاتجاه الصاعد
مؤخرا شهدت تقديرات إنتاج النحاس العالمية مراجعات هبوطية ملحوظة بعد استمرار المشكلات التشغيلية في عدد من أكبر المناجم العالمية.
وتتركز المخاوف بشكل خاص حول منجمي “غراسبرغ” في إندونيسيا و”كاموا-كاكولا” في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهما من أبرز مصادر الإمدادات العالمية.
وتشير التقديرات الحالية إلى أن استعادة الطاقة الإنتاجية الكاملة لهذين المشروعين قد تستغرق عدة سنوات، وهو ما يعزز احتمالات استمرار شح المعروض العالمي حتى عام 2028 على الأقل. وتزامنت هذه التطورات مع تخفيضات متتالية لتوقعات الإنتاج السنوي، الأمر الذي ساهم في زيادة الضغوط على أسواق المعادن الصناعية.
اتساع العجز العالمي في سوق النحاس
فى نفس الوقت تعكس البيانات الحديثة تحول سوق النحاس نحو عجز أكثر وضوحًا مقارنة بالتوقعات السابقة.
فمع تراجع نمو الإمدادات وتزايد الطلب الصناعي، ارتفعت التقديرات الخاصة بحجم العجز في الأسواق العالمية بصورة لافتة، وهو ما يعزز النظرة الإيجابية للأسعار على المدى المتوسط والطويل.
كما أن استمرار تدفق واردات النحاس إلى الولايات المتحدة بمعدلات مرتفعة ساهم في تشديد أوضاع السوق العالمية، خاصة مع سعي الشركات إلى تأمين احتياجاتها المستقبلية في ظل الغموض المرتبط بالسياسات التجارية والرسوم الجمركية المحتملة.
الرسوم الجمركية تضيف مزيدًا من التقلبات
لا تزال الأسواق المالية تتابع عن كثب تطورات السياسة التجارية الأمريكية المتعلقة بواردات النحاس المكرر، حيث تساهم حالة عدم اليقين الحالية في دعم الأسعار عبر تشجيع الشركات على زيادة المخزونات الوقائية.
وتتوقع المؤسسات المالية الكبرى أن تستمر هذه العوامل في توفير دعم إضافي للسوق خلال الفترة المقبلة، خصوصًا إذا استمرت المراجعات الحكومية للرسوم الجمركية دون قرارات حاسمة في المدى القريب.
الطلب الهيكلي يبقي التوقعات إيجابية
على جانب الطلب، لا تزال الاتجاهات طويلة الأجل تصب في صالح النحاس. فالاستثمارات الضخمة في شبكات الكهرباء، والتوسع المستمر في صناعة السيارات الكهربائية، والنمو المتسارع لمراكز البيانات المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مشاريع الطاقة المتجددة، تواصل تعزيز استهلاك المعدن بوتيرة تفوق نمو الإنتاج العالمي.
وبشكل عام تشير هذه العوامل إلى أن سوق النحاس لا يواجه مجرد نقص مؤقت في الإمدادات، بل حالة من الاختلال الهيكلي بين العرض والطلب قد تستمر لسنوات، ما يفسر التوقعات المتزايدة بوصول الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة.
النظرة الفنية لأسعار النحاس:
حسب التحليل الفنى، لا يزال الاتجاه العام للنحاس صاعدًا طالما استقرت الأسعار أعلى منطقة الدعم الرئيسية حول 13,500 دولار للطن. كما أن استمرار التداول فوق مستوى 14,000 دولار يعزز فرص استهداف المقاومة التاريخية المسجلة بالقرب من 14,500 دولار.
وفي حال نجاح المشترين في اختراق هذا الحاجز والإغلاق فوقه، فقد تمتد المكاسب نحو منطقة 15,000 دولار للطن، وهي المستويات التي بدأت بعض البنوك الاستثمارية العالمية مثل سيتي غروب وبنك HSBC في ترجيح الوصول إليها خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة.
حركة المؤشرات الفنية على الاطار الزمنى تؤكد التحيز الصعودى. حيث ان مؤشر القوة النسبية حول قراءة 57 باعلى من خط الحياد. والمتوسط المتحرك البسيط 100 اعلى من المتوسط المتحرك البسيط 200.
أما السيناريو السلبي فيتطلب عودة الأسعار للتداول دون الدعم 13,500 دولار، وهو ما قد يفتح المجال أمام موجة تصحيح محدودة قبل استئناف الاتجاه الصاعد طويل الأجل.
خلاصة التحليل:
تبقى توقعات النحاس مدعومة بمزيج قوي من محدودية الإمدادات العالمية واستمرار الطلب المرتبط بالتحول التكنولوجي والطاقة النظيفة. ومع استمرار الضغوط على إنتاج المناجم الكبرى وغياب مؤشرات واضحة على تحسن جانب العرض، تظل فرص تسجيل قمم سعرية جديدة قائمة بقوة خلال النصف الثاني من العام، خاصة إذا حافظ الطلب الصيني على زخمه الحالي.