انقسام بين كبرى البنوك العالمية حول مستقبل السياسة النقدية الأمريكية ومسار زوج اليورو مقابل الدولار
يواصل زوج اليورو مقابل الدولار الأمريكي EUR/USD التحرك في نطاق مستقر أعلى مستوى 1.1400، في إشارة إلى أن المستثمرين لا يزالون ينظرون إلى أي تراجع في الأسعار باعتباره فرصة لإعادة بناء مراكز الشراء، رغم استمرار الضبابية بشأن المسار المقبل للسياسة النقدية الأمريكية.
ويأتي هذا التماسك في وقت تتزايد فيه حالة الانقسام بين المؤسسات المالية العالمية؛ فبينما يراهن فريق على استمرار تفوق الدولار بدعم من قوة الاقتصاد الأمريكي وارتفاع العوائد، يرى آخرون أن تباطؤ التضخم وتراجع زخم سوق العمل الأمريكي قد يغيران هذا المشهد خلال الأشهر المقبلة.
فى سوق الفوركس. لا يزال الدولار يحظى بدعم واضح من الأداء القوي للاقتصاد الأمريكي مقارنة باقتصادات منطقة اليورو، وهو ما يدفع بعض البنوك إلى الاعتقاد بأن الفجوة في النمو والعوائد ستظل تميل لصالح العملة الأمريكية.
وفي هذا الإطار، يتوقع بنك دانسك أن يتراجع زوج اليورو مقابل الدولار إلى حدود 1.12 خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، مستندًا إلى توقعاته باستمرار تفوق الاقتصاد الأمريكي، إلى جانب احتمال بقاء الاحتياطي الفيدرالي أكثر تشددًا من البنك المركزي الأوروبي.
كما يرى البنك أن الولايات المتحدة تتمتع بميزة إضافية تتمثل في كونها مصدرًا صافيًا للطاقة، وهو ما يجعلها أقل تأثرًا بأي اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية مقارنة بمنطقة اليورو.
في المقابل، يرى محللو ING أن الاتجاه المقبل لزوج اليورو مقابل الدولار لن تحدده تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بقدر ما ستحدده البيانات الاقتصادية الأمريكية، خاصة بيانات التضخم وسوق العمل. وبحسب البنك، فإن استمرار تباطؤ الضغوط التضخمية قد يقلل من الحاجة إلى أي تشديد إضافي في السياسة النقدية، وهو ما قد يفتح الباب أمام عودة الزوج لاستهداف منطقة 1.17 إذا حافظ الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعاته المقبلة.
عموما. تبقى السياسة النقدية محور الخلاف الرئيسي بين المؤسسات المالية الكبرى.
فبينما يتوقع بنك دانسك تنفيذ رفعين إضافيين للفائدة الأمريكية خلال العام المقبل مقابل زيادة واحدة فقط من البنك المركزي الأوروبي، ترى الأسواق أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع المركزي الأوروبي إلى مواصلة التشديد بوتيرة أكبر.
إلا أن البنك يعتبر أن الأسواق ربما بالغت في تسعير هذا السيناريو، مؤكدًا أن فروق أسعار الفائدة ستظل في النهاية أحد أبرز العوامل الداعمة للدولار خلال الفترة المقبلة.
وفى نفس الوقت لا تقتصر العوامل المؤثرة على السياسة النقدية وحدها، إذ تواصل التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط فرض نفسها على أسواق العملات.
ويرى بنك HSBC أن أي اضطرابات مستمرة في حركة الملاحة أو إمدادات الطاقة العالمية قد تدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى، وهو ما قد يعزز الطلب على الدولار باعتباره ملاذًا آمنًا، ويحد من قدرة اليورو على تحقيق مكاسب قوية.
ويتفق ING مع هذا الطرح، مشيرًا إلى أن استمرار صدمة المعروض النفطي قد يرفع تقلبات أسواق العملات ويمنح الدولار دعمًا إضافيًا على المدى القصير.
ورغم هذه العوامل الداعمة للدولار، لا تزال بعض المؤسسات ترى أن الصورة قد تتغير مع نهاية الصيف. فإذا تراجعت حدة التوترات الجيوسياسية، وانخفضت أسعار الطاقة، وواصل التضخم الأمريكي مساره الهابط، فقد يجد الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لتبني سياسة نقدية أقل تشددًا، وهو ما قد يعيد الضغوط على الدولار ويدعم صعود اليورو.
ويعتبر ING أن هذا السيناريو يظل الأقرب على المدى المتوسط، رغم اعترافه بأن الظروف الحالية لا تزال تمنح الدولار أفضلية مؤقتة.
وعلى النقيض من توقعات دانسك، يواصل بنك سكوتيا تبني رؤية أكثر تفاؤلًا تجاه العملة الأوروبية، إذ لا يتوقع أي زيادات جديدة في أسعار الفائدة الأمريكية، مرجحًا أن يؤدي تباطؤ النشاط الاقتصادي وضعف سوق العمل إلى انتقال الاحتياطي الفيدرالي تدريجيًا نحو سياسة أكثر حيادية خلال العام المقبل.
وبناءً على ذلك، لا يزال البنك يتوقع صعود زوج EUR/USD إلى مستوى 1.20 بنهاية العام، إذا تراجعت قوة الدولار مع انحسار الضغوط التضخمية.
في الوقت الراهن، يبقى زوج اليورو مقابل الدولار عالقًا بين عاملين متعارضين؛ فمن جهة، يواصل الاقتصاد الأمريكي والعوائد المرتفعة توفير دعم ملموس للدولار، ومن جهة أخرى، تزداد رهانات الأسواق على اقتراب نهاية دورة التشديد النقدي في الولايات المتحدة.
ولهذا، فإن مسار الزوج خلال الأسابيع المقبلة سيعتمد بدرجة كبيرة على نتائج بيانات التضخم وسوق العمل الأمريكية، إلى جانب تطورات أسعار الطاقة والأوضاع الجيوسياسية، وهي عوامل قد تحسم ما إذا كان مستوى 1.1400 سيظل قاعدة انطلاق نحو مستويات أعلى، أم مجرد محطة مؤقتة قبل عودة الدولار إلى فرض سيطرته على الأسواق.