شهد الدولار الأمريكي موجة صعود ملحوظة خلال الفترة الأخيرة، مدعومًا بتزايد الطلب عليه كملاذ آمن، في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية وما يصاحبها من ارتفاعات حادة في أسعار النفط العالمية.
وفي هذا السياق، أشار محللو العملات في Deutsche Bank إلى أن التطورات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط بدأت تُلقي بظلالها على التوقعات السابقة التي كانت ترجّح ضعف الدولار خلال عام 2026، مؤكدين أن ميزان المخاطر على المدى القريب يميل حاليًا لصالح العملة الأمريكية.
وأوضح التقرير أن بداية العام كانت تستند إلى فرضيات داعمة لتراجع الدولار الامريكى، في ظل تحسن آفاق النمو العالمي، وتراجع نسبي في تفوق الاقتصاد الأمريكي من حيث العوائد وأداء الأسواق المالية. إلا أن الاضطرابات الأخيرة في قطاع الطاقة فرضت واقعًا جديدًا دفع المؤسسات المالية إلى إعادة تقييم تلك الرؤية.
وأكد المحللون أن التحركات الأخيرة في الأسواق، خاصة خلال الأسبوعين الماضيين، جاءت في مجملها داعمة للدولار، في ظل تزايد حالة عدم اليقين وارتفاع وتيرة المخاطر العالمية.
وعلى صعيد العوامل المؤثرة، لفت التقرير إلى أن أمن إمدادات الطاقة يظل في صدارة المشهد، لا سيما ما يتعلق بحركة النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة عالميًا. وأوضح أن أي تعطّل في تدفقات النفط قد يؤدي إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، بما ينعكس سلبًا على النمو العالمي، خصوصًا في الاقتصادات الآسيوية الأكثر اعتمادًا على واردات الطاقة.
ويرى خبراء البنك أن هذا السيناريو غالبًا ما يصب في مصلحة الدولار، باعتباره المستفيد الرئيسي من تراجع النمو العالمي وارتفاع تكاليف الاستيراد في الاقتصادات الأخرى.
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى أهمية السياسات المالية خارج الولايات المتحدة، موضحًا أن تدخل الحكومات لدعم الأسر واحتواء تداعيات ارتفاع الأسعار — كما حدث في أوروبا خلال أزمة الطاقة السابقة — قد يحد من التأثير الإيجابي لارتفاع أسعار الطاقة على الدولار، من خلال دعم مستويات الطلب المحلي وتخفيف الضغوط التضخمية.
كما تطرق التحليل الفنى إلى ما وصفه بـ”التأثيرات غير المباشرة” للصراع، والتي قد تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، بما في ذلك قطاع أشباه الموصلات، وهو ما قد ينعكس بدوره على دورة الائتمان والنمو العالمي.
ومن زاوية السياسة النقدية، أشار التقرير إلى أن أي تطورات قد تدفع الاقتصاد الأمريكي نحو تبني سياسات نقدية أكثر مرونة مقارنة ببقية الاقتصادات، يمكن أن تُسهم في تقليص مكاسب الدولار، حتى في ظل استمرار الضغوط على أسواق الطاقة. وفي المجمل، خلص Deutsche Bank إلى أن الدولار بات يحظى بدعم نسبي في الوقت الراهن نتيجة تصاعد المخاطر، إلا أن ذلك لا يُغيّر بشكل جذري النظرة الأوسع التي ترجّح تعرضه لضغوط على المدى المتوسط.
وأكد التقرير أن تركيز الأسواق في المرحلة الحالية ينصب بشكل أساسي على تطورات إمدادات الطاقة، خاصة في منطقة الخليج، باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد الاتجاهات المقبلة للعملات الرئيسية.