أنهت أسعار الذهب تداولات الأسبوع الماضي على مكاسب قوية تجاوزت 5%، مع صعود المعدن الأصفر إلى مستويات قرب 4632 دولارًا للأوقية، وهي من أعلى المستويات التي سجلها منذ منتصف مايو، قبل أن يستقر في نهاية الأسبوع بالقرب من 4602 دولار للأوقية وفق بيانات السوق التي يعتمد عليها التحليل.
وجاءت هذه القفزة بعد تحرك قوي تجاوز خلاله سعر الذهب المستوى النفسي 4500 دولار، مدعومًا بضعف الدولار الأمريكي، وتزايد المخاوف بشأن الاستدامة المالية للولايات المتحدة، إلى جانب تحسن الزخم الفني بعد اختراق الذهب متوسطه المتحرك لـ200 يوم. وأكدت بيانات السوق أن الذهب سجل ثالث مكسب أسبوعي متتالٍ، مع تداولات أعلى من متوسطاته الرئيسية.
لكن بعد هذه المكاسب السريعة، يبرز السؤال الأهم أمام المستثمرين: هل يواصل سعر الذهب الصعود هذا الأسبوع، أم تبدأ موجة تصحيح وجني أرباح؟
الرسم البياني المباشر لسعر الذهب مقابل الدولار الأمريكي
ما أسباب ارتفاع سعر الذهب بقوة في الفترة الأخيرة؟
جاءت موجة الصعود الأخيرة نتيجة تضافر عدد من العوامل الأساسية والفنية، وكان من أبرزها ضعف الدولار الأمريكي، والمخاوف بشأن الدين الأمريكي، والتحركات المفاجئة في سوق السندات، إلى جانب عودة الزخم الشرائي للمعدن الأصفر.
تحركات الخزانة الأمريكية تشعل صعود الذهب
حصل الذهب على دفعة قوية في منتصف الأسبوع الماضي بعدما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أنها ستضاعف حجم عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية. وأدى الإعلان في البداية إلى انخفاض عوائد السندات طويلة الأجل وتراجع الدولار، وهو ما عزز جاذبية الذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا ويستفيد عادة من انخفاض عوائد السندات وضعف العملة الأمريكية.
لكن تأثير القرار لم يكن مستمرًا بالدرجة نفسها؛ فقد عادت عوائد السندات للارتفاع لاحقًا، مع استمرار مخاوف المستثمرين بشأن حجم الدين الأمريكي واستدامة المالية العامة. وتشير تحركات السوق الأخيرة إلى أن المخاوف المالية أصبحت عاملًا مهمًا في عودة الطلب على الذهب باعتباره أحد أصول التحوط.
وفي المقابل، تراجع الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياته في نحو ثلاثة أشهر خلال الأسبوع الماضي، وهو عامل إضافي دعم أسعار الذهب المقومة بالدولار.
كما عززت المخاوف بشأن تجاوز الدين العام الأمريكي مستوى 40 تريليون دولار الإقبال على الأصول التي ينظر إليها المستثمرون باعتبارها تحوطًا ضد تراجع القوة الشرائية للعملة ومخاطر الاستدامة المالية.
محضر الفيدرالي يزيد حالة عدم اليقين بشأن الفائدة
وكانت السياسة النقدية الأمريكية عاملًا آخر مؤثرًا في حركة الذهب، خصوصًا بعد صدور محضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة FOMC لشهر يوليو.
وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق 3.50% إلى 3.75%، لكن محضر الاجتماع كشف عن انقسام واضح بين صانعي السياسة، إذ صوّت ثلاثة أعضاء لصالح رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، بينما رأى عدد من المشاركين أن تشديد السياسة النقدية قد يصبح ضروريًا إذا استمر التضخم أعلى من مستهدف البنك البالغ 2%.
وهذا يعني أن الصورة بالنسبة للفائدة ليست محسومة لصالح خفضها، وهو ما قد يؤدي إلى تحركات متقلبة للذهب في حال جاءت بيانات التضخم أو سوق العمل أقوى من المتوقع. ومع ذلك، فإن تراجع توقعات رفع الفائدة في الأجل القريب، إلى جانب ضعف الدولار والمخاوف المالية، ظل داعمًا للمعدن الأصفر خلال الأسبوع الماضي.
ماذا ينتظر سوق الذهب هذا الأسبوع؟
يدخل سوق تداول الذهب أسبوعًا جديدًا مع وجود مجموعة من الأحداث الاقتصادية المهمة التي يمكن أن تحدد اتجاه الدولار وعوائد السندات، وبالتالي مسار المعدن الأصفر.
تتجه الأنظار إلى ندوة جاكسون هول التي يستضيفها بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، حيث من المقرر أن يلقي رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفن وارش كلمة رئيسية. وتكتسب الكلمة أهمية خاصة في ظل حالة عدم اليقين بشأن مسار أسعار الفائدة، إذ يترقب المستثمرون أي إشارات بشأن رؤية الفيدرالي للتضخم وسوق العمل والسياسة النقدية قبل اجتماع سبتمبر.
وقد تؤدي لهجة أكثر تشددًا إلى دعم الدولار ورفع عوائد السندات، وهو ما قد يضغط على الذهب، بينما قد تدعم الإشارات الأكثر مرونة استمرار الزخم الصعودي للمعدن الأصفر.
بيانات التضخم والاقتصاد الأمريكي
ومن بين أبرز البيانات الاقتصادية المنتظرة هذا الأسبوع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي Core PCE، وهو مقياس التضخم الذي يحظى باهتمام كبير لدى الاحتياطي الفيدرالي. كما يترقب المستثمرون التقدير الثاني للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الثاني، بعد التقدير الأولي الذي أظهر نمو الاقتصاد بمعدل سنوي قدره 1.5%، إلى جانب بيانات طلبات السلع المعمرة وطلبات إعانة البطالة.
ومن شأن بيانات اقتصادية قوية أن تعزز احتمالات بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو سيناريو قد يحد من مكاسب الذهب، بينما قد تمنح البيانات الأضعف من المتوقع دعمًا جديدًا للمعدن الأصفر من خلال الضغط على الدولار والعوائد.
كما ستصدر المراجعة السنوية لبيانات الوظائف غير الزراعية حتى مارس 2026، وهو ما قد يضيف عنصرًا جديدًا إلى تقييم الأسواق لقوة سوق العمل الأمريكي ومسار السياسة النقدية.
التوقعات الفنية لسعر الذهب هذا الأسبوع
على الرسم البياني اليومي، لا تزال الصورة الفنية للذهب صاعدة على المدى المتوسط، مدعومة بالاختراق القوي للمستويات الفنية الرئيسية واستعادة التداول فوق المتوسط المتحرك لـ200 يوم. لكن المكاسب السريعة التي سجلها الذهب خلال الأسبوع الماضي دفعت بعض المؤشرات إلى مناطق التشبع الشرائي، ما يرفع احتمالات حدوث تصحيح قصير الأجل أو جني أرباح دون أن يعني ذلك بالضرورة انتهاء الاتجاه الصاعد.
ويتحرك مؤشر القوة النسبية RSI (14) أعلى مستوى 70، في إشارة إلى قوة الزخم الشرائي ودخول المؤشر منطقة التشبع الشرائي. وفي الوقت نفسه، لا تزال إشارات MACD تميل لصالح المشترين، ما يبقي الاتجاه العام إيجابيًا طالما حافظ السعر على مستويات الدعم الرئيسية.
وتؤكد حركة الذهب الأخيرة أن الزخم الفني أصبح عاملًا مهمًا، بعدما تجاوز السعر متوسطه المتحرك لـ200 يوم، وهو مستوى تنظر إليه الأسواق الفنية باعتباره إشارة إيجابية لاستمرار الاتجاه الصاعد.
مستويات الدعم والمقاومة الأسبوعية للذهب
مستويات الدعم:
4535 دولارًا للأوقية
4480 دولارًا للأوقية
4400 دولار للأوقية
مستويات المقاومة:
4660 دولارًا للأوقية
4720 دولارًا للأوقية
4800 دولار للأوقية
ويمثل مستوى 4660 دولارًا أول اختبار مهم للمشترين بعد القفزة الأخيرة، بينما قد يؤدي اختراقه والثبات فوقه إلى تعزيز فرص استهداف 4720 ثم 4800 دولار. وفي المقابل، فإن فشل الذهب في تجاوز المقاومة وبدء حركة تصحيحية سيضع مستوى 4535 دولارًا أمام اختبار مهم، يليه دعم 4480 دولارًا.
سيناريو تراجع الذهب: إلى أين قد يصل التصحيح؟
في حال عاد الدولار الأمريكي وعوائد سندات الخزانة إلى الارتفاع بقوة، فقد يجد الذهب نفسه تحت ضغوط لجني الأرباح، خصوصًا بعد المكاسب الأسبوعية الكبيرة. وفي هذه الحالة، قد يستهدف التصحيح في مرحلته الأولى مستوى 4535 دولارًا، ثم 4480 دولارًا، بينما يمثل مستوى 4400 دولار للأوقية منطقة الدعم الأهم في حال اتسعت موجة البيع.
لكن طالما بقي السعر أعلى هذه المناطق، فإن التراجع قد يُنظر إليه باعتباره تصحيحًا داخل اتجاه صاعد وليس بالضرورة بداية انعكاس هبوطي كامل.
توقعات سعر الذهب هذا الأسبوع
تميل الصورة الحالية لصالح استمرار الاتجاه الصاعد، لكن اختراق 4660 دولارًا سيكون عاملًا فنيًا مهمًا لتأكيد قدرة الذهب على مواصلة الارتفاع. وفي حال نجاح المشترين في تجاوز هذه المقاومة والثبات فوقها، فقد تمتد الحركة باتجاه 4720 ثم 4800 دولار للأوقية. أما الفشل في اختراق 4660 دولارًا، بالتزامن مع ارتفاع الدولار وعوائد السندات، فقد يدفع الذهب إلى حركة تصحيحية نحو 4535 ثم 4480 دولارًا.
وبالتالي، فإن الأسبوع الحالي قد يكون حاسمًا في تحديد ما إذا كانت موجة الصعود الأخيرة ستتحول إلى اتجاه صاعد جديد، أم أن الذهب يحتاج أولًا إلى مرحلة من جني الأرباح قبل استئناف مكاسبه.