عاد الدولار الأمريكي إلى الواجهة بقوة خلال تداولات الأسبوع الجاري، مستفيدًا من موجة بيع واسعة طالت الأصول البديلة، وفي مقدمتها العملات الرقمية والذهب، الأمر الذي أثار تساؤلات جديدة حول مستقبل رهانات إضعاف الدولار التي هيمنت على الأسواق خلال العام الماضي.
ويرى محللون أن الضغوط المتزايدة على البيتكوين والذهب قد تمنح العملة الأمريكية فرصة لتحقيق مكاسب إضافية خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تنامي التوقعات باتجاه الاحتياطي الفيدرالي نحو تبني سياسة نقدية أكثر تشددًا لمواجهة الضغوط التضخمية.
وقال كريس تيرنر، رئيس استراتيجية العملات الأجنبية في بنك ING، إن الأسواق قد تشهد تراجعًا إضافيًا فيما يُعرف بـ”تجارة إضعاف الدولار”، والتي اكتسبت زخمًا خلال العام الماضي نتيجة المخاوف المتعلقة بتراجع الثقة في سياسات الاحتياطي الفيدرالي، ما دفع المستثمرين نحو أصول الملاذ الآمن مثل الذهب والبيتكوين والفرنك السويسري.
وخلال الأسبوع الحالي، ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل سلة من العملات الرئيسية، بنسبة 0.40%، في حين هبطت أسعار البيتكوين بنحو 8% لتتداول قرب مستوى 66,339 دولارًا.
وتستند استراتيجية المراهنة على ضعف الدولار إلى توقعات باستمرار الضغوط المالية الناتجة عن العجز الأمريكي المرتفع، إلى جانب السياسات النقدية الميسرة. وفي هذا السياق، استفادت الأصول النادرة مثل الذهب والبيتكوين من تلك التوقعات، محققة مكاسب قوية خلال عام 2025 والأشهر الأولى من عام 2026.
إلا أن المشهد بدأ يتغير مؤخرًا، حيث سجلت صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بالبيتكوين واحدة من أطول فترات التدفقات النقدية الخارجة على الإطلاق، بالتزامن مع استمرار عمليات السحب من صناديق الإيثيريوم، ما يعكس تراجعًا واضحًا في شهية المستثمرين تجاه الأصول الرقمية.
من جانبه، أوضح نعيم أسلم، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة Zaye Capital Markets، أن حركة البيتكوين الأخيرة تعكس إعادة تسعير قوية لمستويات المخاطرة في سوق العملات المشفرة، مشيرًا إلى أن كسر مستويات الدعم الفنية، وتراجع التدفقات المؤسسية، وضعف الطلب على صناديق المؤشرات المتداولة، إلى جانب موجة تصفيات واسعة في أسواق المشتقات، كانت من أبرز العوامل التي ضغطت على الأسعار.
ولم يكن تداول الذهب بمنأى عن هذه الضغوط، إذ تراجعت أسعاره بنحو 1.75% خلال الأسبوع لتستقر قرب مستوى 4461 دولارًا للأوقية، مقارنة بالقمم القياسية التي سجلها مطلع مارس الماضي عند نحو 5400 دولار للأوقية.
ويرى محللو ING أن تراجع أداء الأصول التي استفادت سابقًا من سيناريو ضعف الدولار قد يفسح المجال أمام مزيد من المكاسب للعملة الأمريكية خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل استمرار العوامل الداعمة لها.
ولا يزال الدولار يستند إلى مجموعة من المقومات الأساسية، أبرزها مكانته كعملة الاحتياط العالمية الأولى، وعمق أسواق المال الأمريكية، واستمرار تفوق الاقتصاد الأمريكي نسبيًا على الاقتصادات المنافسة، فضلًا عن جاذبية العوائد الحقيقية المرتفعة.
كما حصل الدولار مؤخرًا على دفعة إضافية مع تزايد رهانات الأسواق على أن الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر إلى تشديد سياسته النقدية إذا استمرت ضغوط التضخم في الارتفاع، وهو ما من شأنه دعم العملة الأمريكية بشكل أكبر.
ويؤكد محللو البنك أن الذهب والبيتكوين لم يقدما الأداء المتوقع خلال موجة التضخم الحالية، مشيرين إلى أن أي توجه أكثر تشددًا من جانب الاحتياطي الفيدرالي خلال الأشهر المقبلة قد يدفع الدولار لمواصلة الصعود، خاصة أمام الفرنك السويسري.
وفي هذا السياق، يتوقع بنك ING أن يتجه مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) لاختبار الحد العلوي لنطاقه التداولي قصير الأجل قرب مستويات 99.50 – 99.55، وذلك في حال جاءت بيانات التوظيف الأمريكية ومؤشرات النشاط الاقتصادي متوافقة مع توقعات الأسواق.